أثناء حياته: أنه سعيد، مخافة أن تتبدل بد الحال بعد، وخشية أن يظن بالسعادة أنها شيء ثابت لا يتغير، وأن حظوظ الناس من السعادة قلب لا نستقر (ب8ف2) وأصحابها مهددون بزوالها بما لا يستطيعون دفعه أو رده من القضاء (ف3) - إنما يريد ارسطو أن يكون للأفعال الفاضلة وحدها الحكم بالسعادة (ف4) ما دامت هي أكثر الأشياء الإنسانية ثباتًا وبقاء، وأنها بالتالي أشعرها إعلاء لقدر أصحابها وهم المحظوظون الحقيقيون - الذين يتحملون بعد إذ تحلوا بها صروف العصر وأحداث الزمان بما يليق بهم من التسليم والرضا مع الكرامة والأباء، بل إن هذه الأحداث مهما حلت؛ أو المصائب مهما عظمت، لن تزيد الفضيلة إلا بهاء وجلاء. . . إذ هي محك النفس العالية الكبيرة (ف7) والرجل الحكيم هو الذي يواجه تقلبات الدهر دون أن يفقد شيئًا من كرامته، بل يستفيد بها في إسعاد نفسه رغم ما فيها من شقاء (8، 9) بمعنى أن يسير على مقتضى الفضيلة الكاملة في حدود الخيرات الخارجية للازمة (10 - 11)
ولا يستطيع أرسطو أن يدع مسألة منغصات الحياة المتعلقة بالخلف دون أن يعود إلى توكيد أهميتها في فصل خاص بها فيقرر أنه إذا كان ما يحدث بنا يمسنا مسًا خفيفًا أو عنيفًا؛ فطبيعي أن يكون ذلك صحيحًا بالنسبة لمن نحب - إلا أنه كما يوجد فرق بين المآسي الواقعية والقصص الدرامية الخيالية؛ كذلك يكون إحساسنًا بالمصائب أقوى في الحياة منه بعد الموت. وإذا صح أن يكون للموتى إحساس بما يجد أبناؤهم من سعادة أو شقاء فلا بد أن يكون الإحساس ضعيفًا في ذاته أو بالنسبة لهم - وعلى أي حال لا يستطيع أن يغير من سعادة الموتى أنفسهم أو شقائهم. فذلك ما يجب أن يكون لهذه المصائب من اثر علينا في حياتنا.
بعد هذا يبحث أرسطو فيما إذا كانت السعادة جديرة بالمدح والثناء أو الإعجاب والاحترام، فيرى أن الممدوح لا يُمدح لذاته بل لشيء آخر يتصف به أولى بالتقدير والحمد؛ حتى لو كان هذا الحمد موجهًا للآلهة لما يقوم حينئذ من العلاقة بينهم وبين الذي يمدحونهم أو الأشياء التي يُمدحون من أجلها، فما هو كامل بذاته ولا علاقة له بغيره لا يمدح بل يكون موضع إعجاب وتقديس. وعلى هذا فمن الممكن أن نمدح الفضيلة لأنها تعلم فعل الخير، أما السعادة فنحترمها ونقدرها في ذاتها لأنها مبدأ كامل وغرض أسمي لكل ما نعمل؛ وما