( قَوْلُهُ وَهُوَ أَنْ يَثْبُتَ الْحُكْمُ ) أَيْ: الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ إذْ الْحُكْمُ الدُّنْيَوِيُّ لَا يَثْبُتُ يَقِينًا ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَكُونُ فَوْقَ صَرِيحِ قَوْلِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَهُوَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي مَصَالِحِ الدُّنْيَا { لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي قِصَّةِ التَّلْقِيحِ أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ } وَرُبَّمَا كَانَ يَتْرُكُ رَأْيَهُ فِي الْحُرُوبِ بِمُرَاجَعَةِ الصَّحَابَةِ وَقِيلَ: يَثْبُتُ الْحُكْمُ مُطْلَقًا لَكِنْ فِي الدُّنْيَوِيِّ تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ بَعْدَ تَبَدُّلِ الْمَصْلَحَةِ ، وَأَمَّا الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ إجْمَاعُهُ ظَنِّيًّا لَا يَكْفُرُ جَاحِدُهُ ، وَإِنْ كَانَ قَطْعِيًّا فَقِيلَ: يَكْفُرُ وَقِيلَ: لَا يَكْفُرُ ، وَالْحَقُّ أَنَّ نَحْوَ الْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ مِمَّا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ كَوْنُهُ مِنْ الدِّينِ يَكْفُرُ جَاحِدُهُ اتِّفَاقًا .
وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي غَيْرِهِ وَسَيَأْتِي فِيهِ تَفْصِيلٌ وَاسْتَدَلَّ عَلَى إفَادَةِ الْإِجْمَاعِ بِثُبُوتِ الْحُكْمِ يَقِينًا بِوُجُوهٍ مِنْ الْكِتَابِ ، وَالسُّنَّةِ مِنْهَا قَوْله تَعَالَى { وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ } وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّهُ تَعَالَى أَوْعَدَ بِاتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ بِضَمِّهِ إلَى مُشَاقَّةِ الرَّسُولِ الَّتِي هِيَ كُفْرٌ فَيَحْرُمُ إذْ لَا يُضَمُّ مُبَاحٌ إلَى حَرَامٍ فِي الْوَعِيدِ ، وَإِذَا حَرَّمَ اتِّبَاعَ غَيْرِ سَبِيلِهِمْ يَلْزَمُ اتِّبَاعُ سَبِيلِهِمْ إذْ لَا مَخْرَجَ عَنْهُمَا ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الِاتِّبَاعِ غَيْرُ سَبِيلِهِمْ فَيَدْخُلُ فِي اتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِهِمْ ، وَالْإِجْمَاعُ سَبِيلُهُمْ فَيَلْزَمُ اتِّبَاعُهُ .
فَإِنْ قِيلَ لَفْظُ الْغَيْرِ مُفْرَدٌ لَا يُفِيدُ الْعُمُومَ فَلَا يَلْزَمُ حُرْمَةُ اتِّبَاعِ كُلِّ مَا يُغَايِرُ سَبِيلَ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ هُوَ الْكُفْرُ وَالتَّكْذِيبُ قُلْنَا بَلْ هُوَ عَامٌّ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْجِنْسِ