اخْتِيَارَ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ لَحْمَ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ نَجِسٌ لَا يَطْهُرُ بِالزَّكَاةِ ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ فِيمَا يَصْلُحُ لِلْغِذَاءِ إذَا لَمْ تَكُنْ لِلضَّرُورَةِ أَوْ الِاسْتِخْبَاثِ أَوْ الِاحْتِرَامِ آيَةُ النَّجَاسَةِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا اجْتَمَعَ فِي السَّبُعِ مَا لَا يُؤْكَلُ وَهُوَ طَاهِرٌ كَالْجِلْدِ وَالْعَظْمِ وَالْعَصَبِ وَالشَّعْرِ وَمَا يُؤْكَلُ وَهُوَ نَجَسٌ كَاللَّحْمِ وَالشَّحْمِ أَشْبَهَ دُهْنًا مَاتَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ فَجُعِلَ لَهُ حُكْمٌ بَيْنَ النَّجَاسَةِ وَالطَّهَارَةِ الْحَقِيقِيَّتَيْنِ بِأَنْ حُرِّمَ أَكْلُهُ وَتَنَجَّسَ لُعَابُهُ لَكِنْ جَازَ بَيْعُهُ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ وَلَمْ تُجْعَلْ نَجَاسَةُ سِبَاعِ الطَّيْرِ أَيْضًا بِهَذَا الطَّرِيقِ ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَاتِ إنَّمَا وَرَدَتْ فِي سِبَاعِ الْبَهَائِمِ دُونَ الطُّيُورِ فَاحْتِيجَ فِيهَا إلَى الْقِيَاسِ وَهَذَا قِيَاسٌ ضَعِيفُ الْأَثَرِ قَلِيلُ الصِّحَّةِ لِقُصُورِ عِلَّةِ التَّنَجُّسِ فِي الْفَرْعِ أَعْنِي الْمُخَالَطَةَ ، وَقَدْ قَابَلَهُ اسْتِحْسَانٌ قَوِيُّ الْأَثَرِ يَقْتَضِي طَهَارَةَ سُؤْرِهَا ؛ لِأَنَّهَا تَشْرَبُ بِالْمِنْقَارِ عَلَى سَبِيلِ الْأَخْذِ ثُمَّ الِابْتِلَاعِ وَالْمِنْقَارُ عَظْمٌ طَاهِرٌ ؛ لِأَنَّهُ جَافٌّ لَا رُطُوبَةَ فِيهِ فَلَا يَتَنَجَّسُ الْمَاءُ بِمُلَاقَاتِهِ فَيَكُونُ سُؤْرُهُ طَاهِرًا كَسُؤْرِ الْآدَمِيِّ وَالْمَأْكُولِ لِانْعِدَامِ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلنَّجَاسَةِ وَهِيَ الرُّطُوبَةُ النَّجِسَةُ فِي الْآلَةِ الشَّارِبَةِ إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ لِمَا أَنَّ سِبَاعَ الطُّيُورِ لَا تَحْتَرِزُ عَنْ الْمَيْتَةِ وَالنَّجَاسَةِ كَالدَّجَاجَةِ الْمُخَلَّاةِ .
( قَوْلُهُ وَالثَّانِي ) لَمَّا كَانَ عَدَمُ تَأَدِّي الْمَأْمُورِ بِهِ بِالْإِتْيَانِ بِغَيْرِ الْمَأْمُورِ بِهِ أَمْرًا جَلِيًّا وَعَكْسُهُ أَمْرًا خَفِيًّا اشْتَبَهَ عَلَى الْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى جِهَةُ جَعْلِ تَأَدِّي السَّجْدَةِ بِالرُّكُوعِ قِيَاسًا وَعَدَمِ تَأْدِيهَا بِهِ اسْتِحْسَانًا وَنُقِلَ عَنْهُ فِي تَوْجِيهِ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا جَازَ إقَامَةُ الرُّكُوعِ مَقَامَ السَّجْدَةِ ذِكْرًا لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْمُنَاسَبَةِ أَعْنِي اشْتِمَالَهَا عَلَى التَّعْظِيمِ