بَابِ الْوُضُوءِ هُوَ النَّصُّ الدَّالُّ عَلَى تَغَيُّرِ الْمَحَلِّ مِنْ الطَّهَارَةِ إلَى النَّجَاسَةِ لَا النَّصُّ الدَّالُّ عَلَى حُصُولِ الطَّهَارَةِ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَإِنَّمَا يُغَيَّرُ بِالنَّصِّ أَيْ أَنَّ الثَّابِتَ بِالنَّصِّ الْغَيْرِ الْمَعْقُولِ هُوَ تَغَيُّرُ الْمَحَلِّ مِنْ الطَّهَارَةِ إلَى النَّجَاسَةِ وَالْمَقْصُودُ وَاحِدٌ ، وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْقِيَاسِ هُوَ الْمَعْقُولِيَّةُ بِمَعْنَى أَنْ يُدْرِكَ الْعَقْلُ مَعْنَى الْحُكْمِ الْمَنْصُوصِ وَعِلَّتِهِ وَأَنَّهُ لَا مَعْنَى فِي الْمَقَامِ لِذِكْرِ اسْتِقْلَالِ الْعَقْلِ بِدَرْكِ الْحُكْمِ .
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ عِبَارَةَ الْهِدَايَةِ هِيَ أَنَّ خُرُوجَ النَّجَاسَةِ مُؤَثِّرٌ فِي زَوَالِ الطَّهَارَةِ وَهَذَا الْقَدْرُ فِي الْأَصْلِ أَيْ السَّبِيلَيْنِ مَعْقُولٌ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ غَيْرُ مَعْقُولٍ لَكِنَّهُ يَتَعَدَّى ضَرُورَةَ تَعَدِّي الْأَوَّلِ وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ اتِّصَافُ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ بِالنَّجَاسَةِ غَيْرُ مَعْقُولٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَلْ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ وَهَذَا الْقَدْرُ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْمَعْقُولَ هَاهُنَا هُوَ مُجَرَّدُ تَأْثِيرِ خُرُوجِ النَّجَاسَةِ فِي زَوَالِ الطَّهَارَة لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ التَّنَافِي لَا سِرَايَةِ النَّجَاسَةِ إلَى جَمِيعِ الْبَدَنِ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْبَعْضُ مِنْ أَنَّ اتِّصَافَ جَمِيعِ الْبَدَنِ بِالنَّجَاسَةِ مَعْقُولٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الصِّفَةَ إذَا ثَبَتَتْ فِي ذَاتٍ كَانَ الْمُتَّصِفُ بِهَا جَمِيعَ الذَّاتِ كَمَا فِي السَّمِيعِ وَالْبَصِيرِ وَإِنَّمَا لَمْ يَنْجَسْ الْمَاءُ بِمُلَاقَاةِ الْجُنُبِ أَوْ الْمُحْدِثِ لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ وَالْحَاجَةِ بَلْ السَّرَيَانُ إلَى جَمِيعِ الْبَدَنِ مَبْنِيٌّ عَلَى حُكْمِ الشَّارِعِ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْقِلَ مَعْنَاهُ وَلِهَذَا لَمْ يَتَّصِفْ بِالنَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ جَمِيعُ الْبَدَنِ حَيْثُ لَمْ يَحْكُمْ الشَّارِعُ بِذَلِكَ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ اتَّصَفَ الْبَدَنُ