مَوْضِعٍ آخَرَ: { وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الْأَيْمَانَ } فَالْأُولَى تُوجِبُ الْمُؤَاخَذَةَ عَلَى الْيَمِينِ الْغَمُوسِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ كَسْبِ الْقَلْبِ أَيْ الْقَصْدِ وَالثَّانِيَةُ تُوجِبُ عَدَمَ الْمُؤَاخَذَةِ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّهَا مِنْ اللَّغْوِ ، وَهُوَ مَا لَا يَكُونُ لَهُ حُكْمٌ وَفَائِدَةٌ إذْ فَائِدَةُ الْيَمِينِ الْمَشْرُوعَةِ تَحْقِيقُ الْبِرِّ وَالصِّدْقِ وَذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْغَمُوسِ وَالْمُخَلِّصُ أَنْ يُقَالَ: الْمُؤَاخَذَةُ الَّتِي تُوجِبُهَا الْآيَةُ الْأُولَى عَلَى الْغَمُوسِ هِيَ الْمُؤَاخَذَةُ فِي الْآخِرَةِ وَاَلَّتِي تَنْفِيهَا الثَّانِيَةُ هِيَ الْمُؤَاخَذَةُ فِي الدُّنْيَا أَيْ لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِالْكَفَّارَةِ فِي اللَّغْوِ وَيُؤَاخِذُكُمْ بِهَا فِي الْمَعْقُودَةِ ، ثُمَّ فَسَّرَ الْكَفَّارَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: { فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ } الْآيَةَ ، وَلَمَّا تَغَايَرَتْ الْمُؤَاخَذَتَانِ انْدَفَعَ التَّعَارُضُ ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يُحْمَلُ الْعَقْدُ عَلَى كَسْبِ الْقَلْبِ مِنْ عَقَدْت عَلَى كَذَا عَزَمْت عَلَيْهِ فَيَشْمَلُ الْغَمُوسَ وَيَصِيرُ مَعْنَى الْآيَتَيْنِ وَاحِدًا ، وَهُوَ نَفْيُ الْكَفَّارَةِ عَنْ اللَّغْوِ وَإِثْبَاتُهَا عَلَى الْمَعْقُودِ وَالْغَمُوسِ وَذَلِكَ لِأَنَّ كَسْبَ الْقَلْبِ مُفَسَّرٌ وَالْعَقْدَ مُجْمَلٌ فَيُحْمَلُ عَلَى الْمُفَسَّرِ وَيَنْدَفِعُ التَّعَارُضُ وَرُدَّ ذَلِكَ بِوُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ فِيهِ عُدُولًا عَنْ الْحَقِيقَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ رَبْطُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ وَذَلِكَ حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ الْمُصْطَلَحِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ لِمَا فِيهِ مِنْ رَبْطِ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ بِالْآخَرِ بِخِلَافِ عَزْمِ الْقَلْبِ ، فَإِنَّهُ سَبَبٌ لِلْعَقْدِ فَسُمِّيَ بِهِ مَجَازًا .
وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ بِمَعْنَى الرَّبْطِ إنَّمَا يَكُونُ حَقِيقَةً فِي الْأَعْيَانِ دُونَ الْمَعَانِي ، فَهُوَ فِي الْآيَةِ مَجَازٌ لَا مَحَالَةَ عَلَى أَنَّ عَقْدَ الْقَلْبِ وَاعْتِقَادَهُ بِمَعْنَى رَبْطِهِ بِالشَّيْءِ وَجَعْلِهِ ثَابِتًا عَلَيْهِ أَشْهَرُ فِي اللُّغَةِ مِنْ الْعَقْدِ الْمُصْطَلَحِ فِي