فَيَمْلِكُهُ الْحُرُّ كَسَائِرِ الْأَنْكِحَةِ الَّتِي يَمْلِكُهَا الْعَبْدُ ، وَهَذَا أَقْوَى تَأْثِيرًا مِنْ الْإِرْقَاقِ مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ ؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَثَرُهَا فِي الْإِطْلَاقِ وَالِاتِّسَاعِ فِي بَابِ النِّكَاحِ الَّذِي هُوَ مِنْ النِّعَمِ وَالرِّقُّ مِنْ أَوْصَافِ النُّقْصَانِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَثَرُهُ فِي الْمَنْعِ وَالتَّضْيِيقِ فَاتِّسَاعُ الْحِلِّ الَّذِي هُوَ مِنْ بَابِ الْكَرَامَةِ لِلْعَبْدِ وَتَضْيِيقُهُ عَلَى الْحُرِّ بِأَنْ لَا يَجُوزَ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ مَعَ طَوْلِ الْحُرَّةِ قَلَبَ الْمَشْرُوعَ وَعَكَسَ الْمَعْقُولَ ؛ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ يَزْدَادُ بِزِيَادَةِ الشَّرَفِ وَلِهَذَا جَازَ لِمَنْ كَانَ أَفْضَلَ الْبَشَرِ مَا فَوْقَ الْأَرْبَعِ وَرُبَّمَا يُجَابُ بِأَنَّ هَذَا التَّضْيِيقَ مِنْ بَابِ الْكَرَامَةِ حَيْثُ مَنَعَ الشَّرِيفَ مِنْ تَزَوُّجِ الْخَسِيسِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ مَظِنَّةِ الْإِرْقَاقِ وَذَلِكَ كَمَا جَازَ نِكَاحُ الْمَجُوسِيَّةِ لِلْكَافِرِ دُونَ الْمُسْلِمِ .
( قَوْلُهُ: وَتَضْيِيعُ الْمَاءِ ) إشَارَةٌ إلَى وَجْهَيْ ضَعْفٍ فِي قِيَاسِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: الْأَوَّلُ أَنَّ الْإِرْقَاقَ الَّذِي هُوَ إهْلَاكٌ حُكْمًا دُونَ تَضْيِيعِ الْمَاءِ بِالْعَزْلِ ؛ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ حَقِيقَةً إذْ فِي الْإِرْقَاقِ إنَّمَا تَزُولُ صِفَةُ الْحُرِّيَّةِ مَعَ أَنَّهُ أَمْرٌ رُبَّمَا يُرْجَى زَوَالُهُ بِالْعِتْقِ ، وَفِي الْعَزْلِ يَفُوتُ أَصْلُ الْوَلَدِ ، فَإِذَا جَازَ هَذَا فَالْإِرْقَاقُ أَوْلَى .
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا امْتِنَاعٌ عَنْ اكْتِسَابِ سَبَبِ الْوُجُودِ ، وَفِي الْإِرْقَاقِ مُبَاشَرَةُ السَّبَبِ عَلَى وَجْهٍ يُفْضِي إلَى الْإِهْلَاكِ قُلْنَا فِي التَّزَوُّجِ أَيْضًا امْتِنَاعٌ عَنْ إيجَابِ صِفَةِ الْحُرِّيَّةِ إذْ الْمَاءُ لَا يُوصَفُ بِالرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ بَلْ هُوَ قَابِلٌ لَأَنْ يُوجَدَ مِنْهُ الرَّقِيقُ وَالْحُرُّ فَتَزَوُّجُ الْأَمَةِ امْتِنَاعٌ عَنْ مُبَاشَرَةِ سَبَبِ وُجُودِ الْحُرِّيَّةِ فَحِينَ يُخْلَقُ يُخْلَقُ رَقِيقًا إلَّا أَنَّهُ يَنْتَقِلُ مِنْ الْحُرِّيَّةِ إلَى الرِّقِّيَّةِ وَمَعْنَى الْعُقُوبَةِ