فَإِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ فِي الْأَقْيِسَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْأَدِلَّةِ الظَّنِّيَّةِ أَنْ يَتَنَاقَضَ الْمَطَالِبُ وَالْأَحْكَامُ مَعَ رِعَايَةِ الشَّرَائِطِ قَدْرَ الْوُسْعِ وَالطَّاقَةِ وَلِذَلِكَ وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى اجْتِهَادَ دَاوُد عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالْحُكْمِ وَالْعِلْمِ فِي مَقَامِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَالِامْتِنَانِ مَعَ كَوْنِهِ خَطَأً بِدَلَالَةِ سَوْقِ الْكَلَامِ ، وَفِي تَخْصِيصِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِإِصَابَةِ الْحَقِّ ، فَلَوْ كَانَ خَطَأً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَمَا كَانَ حُكْمًا وَعِلْمًا بَلْ جَهْلًا وَخَطَأً .
وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِي إيتَاءِ الْحُكْمِ وَالْعِلْمِ عَلَى أَنَّ اجْتِهَادَهُ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ حُكْمٌ وَعِلْمٌ فَيُجَابُ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ اجْتِهَادُهُ فِيهَا حُكْمًا وَعِلْمًا لَمَا كَانَ لِذِكْرِهِمَا فِي هَذَا الْمَقَامِ فَائِدَةٌ إذْ لَا يُشْتَبَهُ عَلَى أَحَدٍ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَدْ أُوتِيَ عِلْمًا وَحُكْمًا فِي الْجُمْلَةِ .
( قَوْلُهُ: وَتَنْصِيفُ الْأَجْرِ ) أَيْ تَنْصِيفُ أَجْرِ الْمُخْطِئِ فِي الِاجْتِهَادِ بِقَوْلِهِ: عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إنْ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ } يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُخْطِئٌ انْتِهَاءً لَا ابْتِدَاءً ، فَإِنَّ الْأَجْرَ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى الصَّوَابِ ، فَلَمَّا كَانَ ثَوَابُهُ نِصْفَ ثَوَابِ الْمُصِيبِ كَانَ صَوَابُهُ أَيْضًا كَذَلِكَ تَوْزِيعًا لِلْأَجْرِ عَلَى الِاسْتِحْقَاقِ ، وَهَذَا ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّ أَجْرَ الْمُخْطِئِ ، إنَّمَا هُوَ عَلَى كَدِّهِ فِي الِاجْتِهَادِ وَامْتِثَالِ الْأَمْرِ .
( قَوْلُهُ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ) الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ الْمُخْطِئَ مُخْطِئٌ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً تَمَسَّكُوا بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إطْلَاقُ الْخَطَأِ فِي قَوْلِهِ: عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَإِنْ أَخْطَأْت فَلَكَ حَسَنَةٌ ، وَمِنْ حُكْمِ الْمُطْلَقِ أَنْ يَنْصَرِفَ إلَى الْكَامِلِ ، وَهُوَ الْخَطَأُ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً .
وَثَانِيهِمَا: قَوْله تَعَالَى: لَوْلَا كِتَابٌ مِنْ