اللَّهِ سَبَقَ الْآيَةَ أَيْ لَوْلَا مَا كُتِبَ فِي اللَّوْحِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ أَهْلَ بَدْرٍ ، أَوْ أَنْ يُحِلَّ لَهُمْ الْغَنَائِمَ ، أَوْ أَنْ لَا يُعَذِّبَ قَوْمًا إلَّا بَعْدَ تَأْكِيدِ الْحُجَّةِ وَتَقْدِيمِ النَّهْيِ لَمَسَّكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ فِي اتِّبَاعِ الِاجْتِهَادِ الْخَطَأِ الَّذِي هُوَ أَخْذُ الْفِدْيَةِ ، فَلَوْ كَانَ صَوَابًا مِنْ وَجْهٍ لَمَا اسْتَحَقُّوا بِاتِّبَاعِهِ الْعَذَابَ الْعَظِيمَ لِوُجُودِ امْتِثَالِ الْأَمْرِ فِي الْجُمْلَةِ وَلَمَا كَانَ ضَعْفُ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ بَيِّنًا إذْ الِاسْتِدْلَال بِالْإِطْلَاقِ عَلَى الْكَمَالِ مِمَّا لَا يُعْتَدُّ بِهِ فِي مَسَائِلِ الْأُصُولِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِجَوَابِهِ وَأَجَابَ عَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الْعَزِيمَةَ فِي حُكْمِ الْأُسَارَى كَانَ هُوَ الْمَنَّ ، أَوْ الْقَتْلَ ، وَقَدْ رُخِّصَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْفِدَاءِ أَيْضًا فَالْمَعْنَى لَوْلَا سَبْقُ الْحُكْمِ بِإِبَاحَةِ الْفِدَاءِ وَالرُّخْصَةِ فِيهِ لَمَسَّكُمْ الْعَذَابُ فِي تَرْكِ الْعَزِيمَةِ فَوُجُوبُ الْعَذَابِ مُعَلَّقٌ بِعَدَمِ سَبْقِ الْكِتَابِ لَكِنَّ الْمُعَلَّقَ عَلَيْهِ غَيْرُ وَاقِعٍ لِتَحَقُّقِ سَبْقِ الْكِتَابِ ، فَلَا يَتَحَقَّقُ وُجُوبُ الْعَذَابِ بِسَبَبِ الْخَطَأِ فِي الِاجْتِهَادِ هَذَا تَقْرِيرُ كَلَامِهِ .
وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ لَوْلَا لِانْتِفَاءِ الشَّيْءِ لِوُجُودِ غَيْرِهِ فَيَدْخُلُ عَلَى أَنَّ انْتِفَاءَ الْعَذَابِ عَلَى الْخَطَأِ فِي الِاجْتِهَادِ إنَّمَا كَانَ لِوُجُودِ سَبْقِ الْكِتَابِ بِإِبَاحَةِ الْفِدَاءِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ لَكَانَ الْخَطَأُ مُوجِبًا لِاسْتِحْقَاقِ الْعَذَابِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ خَطَأً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَعَدَمُ وُقُوعِ الْعَذَابِ لَا يُنَافِي ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُودِ الْمَانِعِ ، وَهُوَ سَبْقُ الْكِتَابِ .
( قَوْلُهُ: وَالْمُخْطِئُ فِي الِاجْتِهَادِ لَا يُعَاقَبُ ) ، وَلَا يُنْسَبُ إلَى الضَّلَالِ بَلْ يَكُونُ مَعْذُورًا وَمَأْجُورًا إذْ لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا بَذْلُ الْوُسْعِ ، وَقَدْ فَعَلَ ، فَلَمْ يَنَلْ الْحَقَّ لِخَفَاءِ دَلِيلِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الدَّلِيلُ الْمُوَصِّلُ إلَى الصَّوَابِ بَيِّنًا فَأَخْطَأَ