الثَّانِي: أَنَّ الْجُزْءَ الَّذِي أَدَّاهُ صَارَ عِبَادَةَ اللَّهِ تَعَالَى حَقًّا لَهُ فَتَجِبُ صِيَانَتُهُ ؛ لِأَنَّ التَّعَرُّضَ لِحَقِّ الْغَيْرِ بِالْإِفْسَادِ حَرَامٌ ، وَلَا طَرِيقَ إلَى صِيَانَةِ الْمُؤَدَّى سِوَى لُزُومِ الْبَاقِي إذْ لَا صِحَّةَ لَهُ بِدُونِ الْبَاقِي ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ بِتَمَامِهَا يَتَحَقَّقُ اسْتِحْقَاقُ الثَّوَابِ .
لَا يُقَالُ: صِحَّةُ الْأَجْزَاءِ الْمُتَأَخِّرَةِ وَكَوْنُهَا عِبَادَةً مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى صِحَّةِ الْأَجْزَاءِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَكَوْنِهَا عِبَادَةً ، فَلَوْ تَوَقَّفَتْ هِيَ عَلَيْهَا لَزِمَ الدَّوْرُ ؛ لِأَنَّا نَقُولُ هُوَ دَوْرُ مَعِيَّةٍ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَضَايِفَيْنِ كَالْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ يَتَوَقَّفُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ ، وَإِنْ كَانَ ذَاتُ الْأَبِ مُتَقَدِّمًا فَكَذَا هَاهُنَا يَتَوَقَّفُ صِحَّةُ كُلِّ جُزْءٍ عَلَى صِحَّةِ الْجُزْءِ الْآخَرِ مَعَ تَقَدُّمِ ذَاتِ بَعْضِ الْأَجْزَاءِ .
وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ الْجُزْءَ الْأَوَّلَ يَنْعَقِدُ عِبَادَةً لِكَوْنِهِ فِعْلًا قُصِدَ بِهِ التَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لَكِنَّ بَقَاءَ هَذَا الْوَصْفِ يَتَوَقَّفُ عَلَى انْعِقَادِ الْجُزْءِ الثَّانِي عِبَادَةً وَانْعِقَادُ الْجُزْءِ الثَّانِي عِبَادَةً يَتَوَقَّفُ عَلَى تَحَقُّقِ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ لَا عَلَى وَصْفِ كَوْنِهِ عِبَادَةً فَالْمَوْقُوفُ عَلَى الْأَجْزَاءِ الْبَاقِيَةِ هُوَ بَقَاءُ صِحَّةِ الْمُؤَدَّى وَكَوْنُهُ عِبَادَةً لَا صَيْرُورَتُهُ عِبَادَةً وَالْمَوْقُوفُ عَلَى صِحَّةِ الْمُؤَدَّى هُوَ صَيْرُورَةُ الْأَجْزَاءِ الْبَاقِيَةِ عِبَادَةً فَلَا دَوْرَ .
فَإِنْ قِيلَ: بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْجُزْءِ الثَّانِي لَمْ يَبْقَ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ نَفْسُهُ فَضْلًا عَنْ وَصْفِ الصِّحَّةِ وَالْعِبَادَةِ .
قُلْنَا: هَذِهِ اعْتِبَارَاتٌ شَرْعِيَّةٌ حَيْثُ ثَبَتَ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ الْحُكْمُ بِالْبَقَاءِ وَالْإِحْبَاطِ وَنَحْوِ ذَلِكَ .
فَإِنْ قِيلَ: فَمَنْ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ الْعِبَادَةِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُثَابَ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ شَرْطِ بَقَاءِ الْمُؤَدَّى عِبَادَةً قُلْنَا الْمَوْتُ مُنْهٍ لَا مُبْطِلٌ فَجَعْلُ الْعِبَادَةِ كَأَنَّهَا هَذَا الْقَدْرُ