( قَوْلُهُ: وَالْحَرَامُ ) قَدْ يُضَافُ الْحِلُّ وَالْحُرْمَةُ إلَى الْأَعْيَانِ كَحُرْمَةِ الْمَيْتَةِ وَالْخَمْرِ وَالْأُمَّهَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى أَنَّهَا مَجَازٌ مِنْ بَابِ إطْلَاقِ اسْمِ الْحِلِّ عَلَى الْحَالِ ، أَوْ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ أَيْ حُرِّمَ أَكْلُ الْمَيْتَةِ وَشُرْبُ الْخَمْرِ وَنِكَاحُ الْأُمَّهَاتِ لِدَلَالَةِ الْعَقْلِ عَلَى الْحَذْفِ .
وَالْمَقْصُودُ أَظْهَرُ عَلَى تَعْيِينِ الْمَحْذُوفِ ؛ لِأَنَّ الْحِلَّ وَالْحُرْمَةَ مِنْ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأَفْعَالِ الْعِبَادِ وَالْمَقْصُودُ الْأَظْهَرُ مِنْ اللُّحُومِ أَكْلُهَا ، وَمِنْ الْأَشْرِبَةِ شُرْبُهَا ، وَمِنْ النِّسَاءِ نِكَاحُهُنَّ .
وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهَا حَقِيقَةٌ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ مَعْنَى الْحُرْمَةِ هُوَ الْمَنْعُ ، وَمِنْهُ حَرَمُ مَكَّةَ وَحَرِيمُ الْبِئْرِ فَمَعْنَى حُرْمَةِ الْفِعْلِ كَوْنُهُ مَمْنُوعًا بِمَعْنَى أَنَّ الْمُكَلَّفَ مُنِعَ عَنْ اكْتِسَابِهِ وَتَحْصِيلِهِ وَمَعْنَى حُرْمَةِ الْعَيْنِ أَنَّهَا مُنِعَتْ مِنْ الْعَبْدِ تَصَرُّفَاتُهُ فِيهَا فَحُرْمَةُ الْفِعْلِ مِنْ قَبِيلِ مَنْعِ الرَّجُلِ عَنْ الشَّيْءِ كَمَا نَقُولُ لِلْغُلَامِ لَا تَشْرَبْ هَذَا الْمَاءَ وَمَعْنَى حُرْمَةِ الْعَيْنِ مَنْعُ الشَّيْءِ عَنْ الرَّجُلِ بِأَنْ يَصُبَّ الْمَاءَ مَثَلًا ، وَهُوَ أَوْكَدُ .
وَثَانِيهِمَا: أَنَّ مَعْنَى حُرْمَةِ الْعَيْنِ خُرُوجُهَا عَنْ أَنْ تَكُونَ مَحَلًّا لِلْفِعْلِ شَرْعًا كَمَا أَنَّ مَعْنَى حُرْمَةِ الْفِعْلِ خُرُوجُهُ عَنْ الِاعْتِبَارِ شَرْعًا فَالْخُرُوجُ عَنْ الِاعْتِبَارِ شَرْعًا مُتَحَقِّقٌ فِيهِمَا ، فَلَا يَكُونُ مَجَازًا وَخُرُوجُ الْعَيْنِ عَنْ أَنْ تَكُونَ مَحَلًّا لِلْفِعْلِ يَسْتَلْزِمُ مَنْعَ الْفِعْلِ بِطَرِيقٍ أَوْكَدَ وَأَلْزَمَ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى احْتِمَالُ الْفِعْلِ أَصْلًا فَنَفْيُ الْفِعْلِ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ تَبَعًا أَقْوَى مِنْ نَفْيِهِ إذَا كَانَ مَقْصُودًا ، وَلَمَّا لَاحَ عَلَى هَذَا الْكَلَامِ أَثَرُ الضَّعْفِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحُرْمَةَ فِي الشَّرْعِ قَدْ نُقِلَتْ عَنْ مَعْنَاهَا اللُّغَوِيِّ إلَى كَوْنِ الْفِعْلِ مَمْنُوعًا