عَنْهُ شَرْعًا ، أَوْ كَوْنِهِ بِحَيْثُ يُعَاقَبُ فَاعِلُهُ وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ إضَافَةُ الْحُرْمَةِ إلَى بَعْضِ الْأَعْيَانِ مُسْتَحْسَنَةً جِدًّا كَحُرْمَةِ الْمَيْتَةِ وَالْخَمْرِ دُونَ الْبَعْضِ كَحُرْمَةِ خُبْزِ الْغَيْرِ سَلَكَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ طَرِيقَةً مُتَوَسِّطَةً ، وَهُوَ أَنَّ الْفِعْلَ الْحَرَامَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا يَكُونُ مَنْشَأُ حُرْمَتِهِ عَيْنَ ذَلِكَ الْمَحَلِّ كَحُرْمَةِ أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَيُسَمَّى حَرَامًا لِعَيْنِهِ .
وَالثَّانِي: مَا يَكُونُ مَنْشَأُ الْحُرْمَةِ غَيْرَ ذَلِكَ الْمَحَلِّ كَحُرْمَةِ أَكْلِ مَالِ الْغَيْرِ ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ لِنَفْسِ ذَلِكَ الْمَالِ بَلْ لِكَوْنِهِ مِلْكَ الْغَيْرِ فَالْأَكْلُ مُحَرَّمٌ مَمْنُوعٌ لَكِنَّ الْمَحَلَّ قَابِلٌ لِلْأَكْلِ فِي الْجُمْلَةِ بِأَنْ يَأْكُلَهُ مَالِكُهُ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ ، فَإِنَّ الْمَحَلَّ قَدْ خَرَجَ عَنْ قَابِلِيَّةِ الْفِعْلِ وَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ عَدَمُ الْفِعْلِ ضَرُورَةَ عَدَمِ مَحَلِّهِ فَفِي الْحَرَامِ لِعَيْنِهِ الْمَحَلُّ أَصْلٌ وَالْفِعْلُ تَبَعٌ بِمَعْنَى أَنَّ الْمَحَلَّ أُخْرِجَ أَوَّلًا مِنْ قَبُولِ الْفِعْلِ وَمُنِعَ ، ثُمَّ صَارَ الْفِعْلُ مَمْنُوعًا وَمُخْرَجًا عَنْ الِاعْتِبَارِ فَحُسْنُ نِسْبَةِ الْحُرْمَةِ وَإِضَافَتِهَا إلَى الْمَحَلِّ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ صَالِحٍ لِلْفِعْلِ شَرْعًا حَتَّى كَأَنَّهُ الْحَرَامُ نَفْسُهُ ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ إطْلَاقِ الْمَحَلِّ وَإِرَادَةِ الْفِعْلِ الْحَالِّ فِيهِ بِأَنْ يُرَادَ بِالْمَيْتَةِ أَكْلُهَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ فَوَاتِ الدَّلَالَةِ عَلَى خُرُوجِ الْمَحَلِّ عَنْ صَلَاحِيَّةِ الْفِعْلِ بِخِلَافِ الْحَرَامِ لِغَيْرِهِ ، فَإِنَّهُ إذَا أُضِيفَ الْحُرْمَةُ فِيهِ إلَى الْمَحَلِّ يَكُونُ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ ، أَوْ عَلَى إطْلَاقِ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِ .
فَإِذَا قُلْنَا: الْمَيْتَةُ حَرَامٌ فَمَعْنَاهُ أَنَّ الْمَيْتَةَ مَنْشَأُ الْحُرْمَةِ أَكْلُهَا ، وَإِذَا قُلْنَا خُبْزُ الْغَيْرِ حَرَامٌ فَمَعْنَاهُ أَنَّ أَكْلَهُ حَرَامٌ إمَّا مَجَازًا ، أَوْ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: { وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ }