الْأَحْوَالِ إلَّا فِي حَالِ اضْطِرَارِكُمْ إلَيْهِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا حَرَّمَ لِيَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ إخْرَاجًا عَنْ حُكْمِ التَّفْصِيلِ لَا عَنْ حُكْمِ التَّحْرِيمِ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بَيَانُ الْأَحْكَامِ لَا الْإِخْبَارُ عَنْ عَدَمِ الْبَيَانِ .
لَا يُقَالُ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ إجْرَاءُ كَلِمَةِ الْكُفْرِ أَيْضًا مُبَاحًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: { إلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ } ؛ لِأَنَّا نَقُولُ هُوَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ إلْزَامِ الْغَضَبِ لَا مِنْ التَّحْرِيمِ فَغَايَتُهُ أَنْ يُفِيدَ نَفْيَ الْغَضَبِ عَلَى الْمُكْرَهِ لَا عَدَمَ الْحُرْمَةِ .
فَإِنْ قُلْت: ذِكْرُ الْمَغْفِرَةِ فِي قَوْله تَعَالَى: { فَمَنْ اُضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } مُشْعِرٌ بِأَنَّ الْحُرْمَةَ بَاقِيَةٌ ، وَأَنَّ الْمَنْفِيَّ هُوَ الْإِثْمُ وَالْمُؤَاخَذَةُ .
قُلْت: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ الْمَغْفِرَةِ بِاعْتِبَارِ مَا يَقَعُ مِنْ تَنَاوُلِ الْقَدْرِ الزَّائِدِ عَلَى مَا يَحْصُلُ بِهِ إبْقَاءُ الْمُهْجَةِ إذْ يُعْتَبَرُ عَلَى الْمُضْطَرِّ رِعَايَةُ قَدْرِ الْإِبَاحَةِ ، وَأَمَّا فِي شُرْبِ الْخَمْرِ فَلِأَنَّ حُرْمَتَهَا لِصِيَانَةِ الْعَقْلِ أَيْ الْقُوَّةِ الْمُمَيِّزَةِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ الْحَسَنَةِ وَالْقَبِيحَةِ ، وَلَا يَبْقَى ذَلِكَ عِنْدَ فَوَاتِ النَّفْسِ أَيْ الْبِنْيَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ لِفَوَاتِ الْقُوَى الْقَائِمَةِ بِهَا عِنْدَ فَوَاتِهَا وَانْحِلَالِ تَرْكِيبِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ النَّفْسُ النَّاطِقَةُ الَّتِي هِيَ الرُّوحُ بَاقِيَةً وَذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ حُرْمَةَ الْمَيْتَةِ لِصِيَانَةِ النَّفْسِ عَنْ تَغَذِّي خَبَثِ الْمَيْتَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: { وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ } ، فَإِذَا خَافَ بِالِامْتِنَاعِ فَوَاتَ النَّفْسِ لَمْ يَسْتَقِمْ صِيَانَةُ الْبَعْضِ بِفَوَاتِ الْكُلِّ إذْ فِي فَوَاتِ الْكُلِّ فَوَاتُ الْبَعْضِ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِالنَّفْسِ أَوَّلًا الْبَدَنَ وَثَانِيًا الْمَجْمُوعَ الْمُرَكَّبَ مِنْ الْبَدَنِ وَالرُّوحِ وَبِفَوَاتِهَا مُفَارَقَةُ الرُّوحِ وَانْحِلَالَ