الْحَوَاسِّ فَيَتَبَدَّى أَيْ يَظْهَرُ الْمَطْلُوبُ لِلْقَلْبِ أَيْ الرُّوحُ الْمُسَمَّى بِالْقُوَّةِ الْعَاقِلَةِ ، وَالنَّفْسِ النَّاطِقَةِ فَيُدْرِكُهُ الْقَلْبُ بِتَأَمُّلِهِ أَيْ الْتِفَاتِهِ إلَيْهِ ، وَالتَّوَجُّهِ نَحْوَهُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِلْهَامِهِ لَا بِتَأْثِيرِ النَّفْسِ أَوْ تَوْلِيدِهَا فَإِنَّ الْأَفْكَارَ مُعِدَّاتٌ لِلنَّفْسِ ، وَفَيَضَانُ الْمَطْلُوبِ إنَّمَا هُوَ بِإِلْهَامِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْعَقْلَ الَّذِي يَحْصُلُ الْإِدْرَاكُ بِإِشْرَاقِهِ ، وَإِفَاضَةِ نُورِهِ ، وَيَكُونُ نِسْبَتُهُ إلَى النُّفُوسِ نِسْبَةَ الشَّمْسِ إلَى الْأَبْصَارِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْحُكَمَاءُ هُوَ الْعَقْلُ الْعَاشِرُ الْمُسَمَّى بِالْعَقْلِ الْفَعَّالِ لَا الْعَقْلِ الَّذِي هُوَ أَوَّلُ الْمَخْلُوقَاتِ فَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى تَسَامُحٌ .
( قَوْلُهُ: وَقَدْ يُطْلَقُ الْعَقْلُ عَلَى قُوَّةٍ لِلنَّفْسِ بِهَا تُكْسَبُ الْعُلُومُ ) إشَارَةٌ إلَى مَعْنًى آخَرَ لِلْعَقْلِ بِاعْتِبَارِهِ يُحَصِّلُ لِلنَّفْسِ مَرَاتِبَهَا الْأَرْبَعَ فَعَلَى مَا سَبَقَ كَانَ حَاصِلُ مَعْنَاهُ حُصُولَ شَرَائِطِ الْوُصُولِ إلَى الْمَطْلُوبِ ، وَانْكِشَافَ الْحُجُبِ عَنْهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَطَالِبِ ، وَالتَّهَدِّي إلَى طَرِيقِ التَّوَصُّلِ إلَى الْمَقَاصِدِ ، وَأَمَّا عَلَى هَذَا فَمَعْنَاهُ قَابِلِيَّةُ النَّفْسِ بِهَذِهِ الْمَعَانِي فَإِنْ قِيلَ: مِنْ شَأْنِ الْقُوَّةِ التَّأْثِيرُ وَالْعَقْلُ ، وَمَعْنَى الْقَابِلِيَّةِ التَّأَثُّرُ وَالِانْفِعَالُ فَكَيْفَ يُفَسَّرُ بِهَا قُلْتُ هِيَ قُوَّةٌ بِاعْتِبَارِ تَرْتِيبِ الْمَبَادِئِ وَتَهْيِئَةِ الْمُعَدَّاتِ وَالتَّصَرُّفَاتِ فِيهَا وَقَابِلِيَّةٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ حُصُولَ الْمَطْلُوبِ إنَّمَا هُوَ بِالْإِلْهَامِ وَبِتَوْفِيقِ الْمَلِكِ الْعَلَّامِ فَإِنْ قُلْتَ: الْقُوَّةُ الَّتِي بِهَا تَكْتَسِبُ النَّفْسُ الْعُلُومَ تَشْتَمِلُ مَرَاتِبَهَا الْأَرْبَعَ فَكَيْفَ تُفَسَّرُ بِقَابِلِيَّةِ الْإِشْرَاقِ الَّتِي هِيَ الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى أَعْنِي الْعَقْلَ الْهَيُولَانِيَّ قُلْتُ: الْمُرَادُ قَابِلِيَّةُ الْإِشْرَاقِ إلَى أَنْ يَكْمُلَ جَمِيعُ الْآثَارِ ، وَيَحْصُلَ غَايَةُ