الْمَعَانِي الْمُتَفَاوِتَةِ ، وَالْمُقَارِبَةِ فَاحْتُجَّ فِي هَذَا الْمَقَامِ إلَى تَفْسِيرِ الْعَقْلِ فَقَالُوا: هُوَ نُورٌ يُضِيءُ بِهِ طَرِيقٌ يُبْتَدَأُ بِهِ مِنْ حَيْثُ يَنْتَهِي إلَيْهِ دَرْكُ الْحَوَاسِّ فَيَتَبَدَّى الْمَطْلُوبُ لِلْقَلْبِ فَيُدْرِكُهُ الْقَلْبُ بِتَأَمُّلِهِ ، وَبِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهَا قُوَّةٌ لِلنَّفْسِ بِهَا يَنْتَقِلُ مِنْ الضَّرُورِيَّاتِ إلَى النَّظَرِيَّاتِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ ظَاهِرُ هَذَا التَّفْسِيرِ أَخْفَى مِنْ الْعَقْلِ احْتَاجَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إلَى تَوْضِيحِهِ ، وَتَبْيِينِ الْمُرَادِ مِنْهُ فَزَعَمَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِالْعَقْلِ هَاهُنَا ذَلِكَ الْجَوْهَرُ الْمُجَرَّدُ الَّذِي هُوَ أَوَّلُ الْمَخْلُوقَاتِ عَلَى أَنْ يَكُونَ النُّورُ بِمَعْنَى الْمُنَوِّرِ ، وَلَا يَخْفَى بَعْدَ هَذَا الِاحْتِمَالِ عَنْ الصَّوَابِ فَإِنَّهُمْ جَعَلُوا الْعَقْلَ مِنْ صِفَاتِ الرَّاوِي ، وَالْمُكَلَّفِ ثُمَّ فَسَرُّوهُ بِهَذَا التَّفْسِيرِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْأَثَرُ الْفَائِضُ مِنْ هَذَا الْجَوْهَرِ عَلَى نَفْسِ الْإِنْسَانِ كَمَا ذَكَرَهُ الْحُكَمَاءُ مِنْ أَنَّ الْعَقْلَ الْفَعَّالَ هُوَ الَّذِي يُؤَثِّرُ فِي النَّفْسِ ، وَيَعُدُّهَا لِلْإِدْرَاكِ ، وَحَالُ نُفُوسِنَا بِالْإِضَافَةِ إلَيْهِ حَالُ أَبْصَارنَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الشَّمْسِ فَكَمَا أَنَّ بِإِفَاضَةِ نُورِ الشَّمْسِ تُدْرَكُ الْمَحْسُوسَاتُ كَذَلِكَ بِإِفَاضَةِ نُورِهِ تُدْرَكُ الْمَعْقُولَاتُ فَقَوْلُهُ نُورٌ أَيْ قُوَّةٌ شَبِيهَةٌ بِالنُّورِ فِي أَنَّهُ بِهَا يَحْصُلُ الْإِدْرَاكُ .
يُضِيءُ أَيْ يَصِيرُ ذَا ضَوْءٍ بِهِ أَيْ بِذَلِكَ النُّورِ .
طَرِيقٌ يُبْتَدَأُ بِهِ أَيْ بِذَلِكَ الطَّرِيقِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْأَفْكَارُ ، وَتَرْتِيبُ الْمَبَادِئِ الْمُوصِلَةِ إلَى الْمَطَالِبِ ، وَمَعْنَى إضَاءَتِهَا صَيْرُورَتُهَا بِحَيْثُ يَهْتَدِي الْقَلْبُ إلَيْهَا ، وَيَتَمَكَّنُ مِنْ تَرْتِيبِهَا وَسُلُوكِهَا تَوْصِيلًا إلَى الْمَطْلُوبِ ، وَقَوْلُهُ مِنْ حَيْثُ يَنْتَهِي إلَيْهِ مُتَعَلِّقُ يُبْتَدَأُ ، وَالضَّمِيرُ فِي إلَيْهِ عَائِدٌ إلَى حَيْثُ أَيْ مِنْ مَحَلٍّ يَنْتَهِي إلَيْهِ إدْرَاكُ