( قَوْلُهُ بَابُ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ ) ، وَهُوَ الْمُكَلَّفُ أَيْ الَّذِي تَعَلَّقَ الْخِطَابُ بِفِعْلِهِ ، وَأَهْلِيَّتِهِ لِذَلِكَ تَتَوَقَّفُ عَلَى الْعَقْلِ إذْ لَا تَكْلِيفَ عَلَى الصَّبِيِّ ، وَقَدْ أَطْلَقَ الْحُكَمَاءُ وَغَيْرُهُمْ لَفْظَ الْعَقْلِ عَلَى مَعَانٍ كَثِيرَةٍ مِنْهَا الْجَوْهَرُ الْمُجَرَّدُ فِي ذَاتِهِ وَفِعْلِهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ جِسْمًا ، وَلَا جُسْمَانِيًّا ، وَلَا تَتَوَقَّفُ أَفْعَالُهُ عَلَى تَعَلُّقِهِ بِجِسْمٍ ، وَهَذَا مَعْنَى الْجَوْهَرِ الْمُجَرَّدِ الْغَيْرِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْبَدَنِ تَعَلُّقَ التَّدْبِيرِ ، وَالتَّصَرُّفِ ، وَلَوْ قَالَ غَيْرُ الْمُتَعَلِّقِ بِالْجِسْمِ لَكَانَ أَنْسَبَ لِيُخْرِجَ النُّفُوسَ الْفَلَكِيَّةَ إذْ الْبَدَنُ إنَّمَا يُطْلَقُ عَلَى بِنْيَةِ الْحَيَوَانِ وَادَّعَى الْحُكَمَاءُ أَنَّ الْعَقْلَ بِهَذَا الْمَعْنَى أَوَّلُ مَا صَدَرَ عَنْ الْوَاجِبِ سُبْحَانَهُ ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى الْعَقْلُ } ، وَإِنَّمَا قَالَ: ادَّعُوا لِأَنَّهُمْ اسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِدَلَائِلَ وَاهِيَةٍ مَبْنِيَّةٍ عَلَى مُقَدِّمَاتٍ فَاسِدَةٍ مِثْلُ أَنَّ الْوَاحِدَ لَا يَصْدُرُ عَنْهُ إلَّا الْوَاحِدُ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ وَمِنْهَا قُوَّةٌ لِلنَّفْسِ الْإِنْسَانِيَّةِ بِهَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إدْرَاكِ الْحَقَائِقِ ، وَهَذَا مَعْنَى الْأَثَرِ الْفَائِضِ عَلَيْهَا مِنْ الْعَقْلِ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ ، وَمِنْهَا مَرَاتِبُ قُوَى النَّفْسِ عَلَى مَا سَنُبَيِّنُهَا ، وَمِنْهَا الْغَرِيزَةُ الَّتِي يَلْزَمُهَا الْعِلْمُ بِالضَّرُورِيَّاتِ أَوْ نَفْسُ الْعِلْمِ بِذَلِكَ ، وَهَذَا مَعْنَى الْعِلْمِ بِوُجُوبِ الْوَاجِبَاتِ وَاسْتِحَالَةِ الْمُسْتَحِيلَاتِ ، وَجَوَازِ الْجَائِزَاتِ ، وَمِنْهَا مَلَكَةٌ حَاصِلَةٌ بِالتَّجَارِبِ يُسْتَنْبَطُ بِهَا الْمَصَالِحُ وَالْأَغْرَاضُ ، وَهَذَا مَعْنَى مَا يَحْصُلُ بِهِ الْوُقُوفُ عَلَى الْعَوَاقِبِ ، وَمِنْهَا قُوَّةٌ مُمَيِّزَةٌ بَيْنَ الْأُمُورِ الْحَسَنَةِ ، وَالْقَبِيحَةِ ، وَمِنْهَا هَيْئَةٌ مَحْمُودَةٌ لِلْإِنْسَانِ فِي حَرَكَاتِهِ ، وَسَكَنَاتِهِ ، وَكَلَامِهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ