فِي زَمَانَيْنِ فَصَارَ دَلِيلُنَا عَلَى التَّوَسُّطِ بَيْنَ مَذْهَبِ الْأَشْعَرِيَّةِ ، وَالْمُعْتَزِلَةِ أَمْرَيْنِ: أَحَدِهِمَا التَّوَسُّطُ الْمَذْكُورُ فِي مَسْأَلَةِ الْجَبْرِ وَالْقَدَرِ ، وَفِي مَسْأَلَةِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ ، وَثَانِيهِمَا مُعَارَضَةُ الْوَهْمِ الْعَقْلَ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ الْعَقْلِيَّةِ وَتَطَرُّقِ الْخَطَأِ فِيهَا ( فَهُوَ وَحْدَهُ غَيْرُ كَافٍ ) أَيْ الْعَقْلُ وَحْدَهُ غَيْرُ كَافٍ فِيمَا يَحْتَاجُ الْإِنْسَانُ إلَى مَعْرِفَتِهِ بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَمْرَيْنِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ انْضِمَامِ شَيْءٍ آخَرَ إمَّا إرْشَادٌ أَوْ تَنْبِيهٌ لِيَتَوَجَّهَ الْعَقْلُ إلَى الِاسْتِدْلَالِ أَوْ إدْرَاكِ زَمَانٍ يَحْصُلُ لَهُ التَّجْرِبَةُ فِيهِ فَتُعِينُهُ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ فَلِهَذَا اخْتَرْنَا التَّوَسُّطَ فِي الْمَسَائِلِ الْمُتَفَرِّعَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمَتْنِ ، وَهِيَ قَوْلُهُ ( فَالصَّبِيُّ الْعَاقِلُ لَا يُكَلَّفُ بِالْإِيمَانِ ) لِعَدَمِ اسْتِيفَاءِ مُدَّةٍ جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى عِلْمًا لِحُصُولِ التَّجَارِبِ ، وَكَمَالِ الْعَقْلِ ( وَلَكِنْ يَصِحُّ مِنْهُ ) اعْتِبَارًا لِأَصْلِ الْعَقْلَ ، وَرِعَايَةً لِلتَّوَسُّطِ فَجَعَلْنَا مُجَرَّدَ الْعَقْلِ كَافِيًا لِلصِّحَّةِ وَشَرَطْنَا الِانْضِمَامَ الْمَذْكُورَ لِلْوُجُوبِ ( وَالْمُرَاهِقَةُ إنْ غَفَلَتْ عَنْ الِاعْتِقَادَيْنِ لَا تَبِينُ مِنْ زَوْجِهَا خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ ، وَإِنْ كَفَرَتْ تَبِينُ ) فَإِنَّهَا إنْ لَمْ تُدْرِكْ الْمُدَّةَ الْمَذْكُورَةَ لَمْ يُجْعَلْ مُجَرَّدُ عَقْلِهَا كَافِيًا فِي التَّوَجُّهِ إلَى الِاسْتِدْلَالِ لَكِنْ إنْ تَوَجَّهَتْ عُلِمَ حِينَئِذٍ أَنَّهَا أَدْرَكَتْ مُدَّةَ إفَادَتِهَا التَّوَجُّهَ فَجَعَلْنَا مُجَرَّدَ عَقْلِهَا كَافِيًا إذَا حَصَلَ التَّوَجُّهُ ، وَشَرَطْنَا الِانْضِمَامَ إذَا لَمْ يَحْصُلْ التَّوَجُّهُ .
( وَكَذَا الشَّاهِقُ ) أَيْ لَا يُكَلَّفُ ( قَبْلَ مُضِيِّ زَمَانٍ يَحْصُلُ فِيهِ التَّجْرِبَةُ ) ، وَبَعْدَهُ يُكَلَّفُ فَلَا يَضْمَنُ قَاتِلُ الشَّاهِقِ ، وَلَوْ قَبْلَ مُدَّةِ التَّجْرِبَةِ فَإِنَّهُ لَمْ يَسْتَوْجِبْ عِصْمَةً بِدُونِ دَارِ الْإِسْلَامِ