فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ ( مُتَدَرِّجًا مِنْ النُّقْصَانِ إلَى الْكَمَالِ ) بِوَاسِطَةِ كَثْرَةِ الْعُلُومِ ، وَرُسُوخِ الْمَلَكَاتِ الْمَحْمُودَةِ فِيهَا فَتَصِيرُ أَشَدَّ تَنَاسُبًا بِذَلِكَ الْجَوْهَرِ ، وَيَزْدَادُ اسْتِضَاءَتُهَا بِأَنْوَارِهِ ، وَاسْتِفَادَتِهَا مَغَانِمَ آثَارِهِ فَالْقَابِلِيَّةُ الْمَذْكُورَةُ سَبَبٌ لِحُصُولِ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ ثُمَّ حُصُولُ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ سَبَبٌ لِزِيَادَةِ تِلْكَ الْقَابِلِيَّةِ .
( وَالِاطِّلَاعُ عَلَى حُصُولِ مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ مَنَاطُ التَّكْلِيفِ مُتَعَذِّرٌ قَدَّرَهُ الشَّرْعُ بِالْبُلُوغِ إذْ عِنْدَهُ يَتِمُّ التَّجَارِبُ بِتَكَامُلِ الْقُوَى الْجُسْمَانِيَّةِ الَّتِي هِيَ مَرَاكِبُ لِلْقُوَى الْعَقْلِيَّةِ ، وَمُسَخَّرَةٌ لَهَا بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ الْأَمْرِ الْخِلَافُ فِي إيجَابِهِ الْحُسْنَ ، وَالْقُبْحَ فَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ الْخِطَابُ مُتَوَجِّهٌ بِنَفْسِ الْعَقْلِ ) هَذَا فَرْعُ مَسْأَلَةِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْمَذْكُورَةِ فِي بَابِ الْأَمْرِ ( فَالصَّبِيُّ الْعَاقِلُ ، وَشَاهِقُ الْجَبَلِ مُكَلَّفَانِ بِالْإِيمَانِ حَتَّى إنْ لَمْ يَعْتَقِدَا كُفْرًا ، وَلَا إيمَانًا يُعَذَّبَانِ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ ، وَعِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ يُعْذَرَانِ فَلَمْ يُعْتَبَرْ كُفْرُ شَاهِقِ الْجَبَلِ فَيَضْمَنُ قَاتِلُهُ ، وَلَا إيمَانُ الصَّبِيِّ وَالْمَذْهَبُ عِنْدَنَا التَّوَسُّطُ بَيْنَهُمَا إذْ لَا يُمْكِنُ إبْطَالُ الْعَقْلِ بِالْعَقْلِ ، وَلَا بِالشَّرْعِ ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ ) أَيْ الشَّرْعُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْعَقْلِ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَالْعِلْمِ بِوَحْدَانِيِّتِهِ ، وَالْعِلْمِ بِأَنَّ الْمُعْجِزَةَ دَالَّةٌ عَلَى النُّبُوَّةِ ، وَهَذِهِ الْأُمُورُ لَا تُعْرَفُ شَرْعًا بَلْ عَقْلًا قَطْعًا لِلدُّورِ ( لَكِنْ قَدْ يَتَطَرَّقُ الْخَطَأُ فِي الْعَقْلِيَّاتِ ) فَإِنَّ مَبَادِئَ الْإِدْرَاكَاتِ الْعَقْلِيَّةِ الْحَوَاسُّ فَيَقَعُ الِالْتِبَاسُ بَيْنَ الْقَضَايَا الْوَهْمِيَّةِ ، وَالْعَقْلِيَّةِ فَيَتَطَرَّقُ الْغَلَطُ فِي مُقْتَضَيَاتِ الْأَفْكَارِ كَمَا تَرَى مِنْ اخْتِلَافَاتِ الْعُقَلَاءِ بَلْ اخْتِلَافِ الْإِنْسَانِ نَفْسِهِ