الْمُفَكِّرَةُ فِي وَسَطِ الدِّمَاغِ تَأْخُذُ الْمُدْرَكَاتِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ وَتَتَصَرَّفُ فِيهَا ، وَتُرَكِّبُ بَيْنَهَا تَرْكِيبًا ، وَتُسَمَّى مُخَيِّلَةً أَيْضًا فَهَذَا نِهَايَةُ إدْرَاكِ الْحَوَاسِّ فَإِذَا تَمَّ هَذَا انْتَزَعَ النَّفْسُ الْإِنْسَانِيَّةُ مِنْ الْمُفَكِّرَةِ عُلُومًا فَهَذَا بِدَايَةُ تَصَرُّفِ النَّفْسِ بِوَاسِطَةِ إشْرَاقِ الْعَقْلِ ، وَلَهُ أَرْبَعُ مَرَاتِبَ كَمَا ذَكَرْنَا ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى ( ثُمَّ مَعْلُومَاتُ النَّفْسِ إمَّا أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِهَا الْعَمَلُ كَمَعْرِفَةِ الصَّانِعِ تَعَالَى ، وَتُسَمَّى عُلُومًا نَظَرِيَّةً وَإِمَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ ، وَتُسَمَّى عِلْمِيَّةً فَإِذَا اُكْتُسِبَتْ الْعِلْمِيَّةُ حَرَّكَتْ الْبَدَنَ إلَى مَا هُوَ خَيْرٌ ، وَعَمَّا هُوَ شَرٌّ فَيُسْتَدَلُّ بِهَذَا عَلَى وُجُودِ تِلْكَ الْقُوَّةِ وَعَدَمِهَا ) أَيْ يُسْتَدَلُّ بِهَذَا التَّحْرِيكِ عَلَى وُجُودِ تِلْكَ الْقُوَّةِ ، وَهِيَ قَابِلِيَّةُ النَّفْسِ لِإِشْرَاقِ ذَلِكَ الْجَوْهَرِ ، وَإِنَّمَا يُسْتَدَلُّ ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ لَا مَحَالَةَ آمِرَةٌ لِلْبَدَنِ مُحَرِّكَةٌ إلَى مَا هُوَ خَيْرٌ عِنْدَهَا ، وَعَمَّا هُوَ شَرٌّ عِنْدَهَا ، وَالْجَوْهَرُ الْمَذْكُورُ دَائِمُ الْإِشْرَاقِ فَإِذَا حَرَّكَتْهُ إلَى الْخَيْرِ ، وَعَنْ الشَّرِّ عُلِمَ مَعْرِفَتُهَا بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ ، وَهِيَ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِالْقَابِلِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ ، وَإِذَا لَمْ تُحَرِّكْهُ إلَى الْخَيْرِ وَعَنْ الشَّرِّ عُلِمَ عَدَمُ مَعْرِفَتِهَا بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ إذْ لَوْ كَانَتْ عَارِفَةً لَحَرَّكَتْهُ ثُمَّ عَدَمُ مَعْرِفَتِهَا لِعَدَمِ قَابِلِيَّتِهَا إذْ لَوْ كَانَتْ قَابِلَةً وَقَدْ قُلْنَا: إنَّ ذَلِكَ الْجَوْهَرَ دَائِمُ الْإِشْرَاقِ لَكَانَتْ عَارِفَةً فَعُلِمَ أَنَّ وُجُودَ الْعَقْلِ ، وَعَدَمَهُ يُعْرَفَانِ بِالْأَفْعَالِ ( ثُمَّ لَمَّا كَانَ الْعَقْلُ مُتَفَاوِتًا فِي أَفْرَادِ النَّاسِ ) ، وَذَلِكَ التَّفَاوُتُ إنَّمَا يَكُونُ لِزِيَادَةِ قَابِلِيَّةِ بَعْضِ النُّفُوسِ ذَلِكَ الْفَيْضَ وَالْإِشْرَاقَ لِشِدَّةِ صَفَائِهَا وَلَطَافَتِهَا فِي مَبْدَأِ الْفِطْرَةِ ، وَنُقْصَانِ قَابِلِيَّةِ بَعْضِهَا لِكُدُورَتِهَا ، وَكَثَافَتِهَا