وَهَذَا مَعْنَى صِفَاتِهَا ، وَلِطَاقَتِهَا بِمَنْزِلَةِ الْمِرْآةِ فِي قَبُولِ النُّورِ ، وَإِنْ كَانَتْ بِالْعَكْسِ فَبِالْعَكْسِ ، وَهَذَا مَعْنَى كُدُورَتِهَا ، وَكَثَافَتِهَا بِمَنْزِلَةِ الْحَجَرِ فِي قَبُولِ النُّورِ ، وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّ النَّفْسَ كُلَّمَا كَانَتْ أَكْمَلَ ، وَأَقْبَلَ كَانَ النُّورُ الْفَائِضُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ الْجَوْهَرِ الْمُسَمَّى بِالْعَقْلِ الْفَعَّالِ أَكْثَرَ .
وَأَمَّا بَقَاءً وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ مُتَدَرِّجًا مِنْ النُّقْصَانِ إلَى الْكَمَالِ فَلِأَنَّ النَّفْسَ كُلَّمَا ازْدَادَتْ فِي اكْتِسَابِ الْعُلُومِ بِتَكْمِيلِ الْقُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ ، وَفِي تَحْصِيلِ الْمَلَكَاتِ الْمَحْمُودَةِ بِتَكْمِيلِ الْقُوَّةِ الْعَمَلِيَّةِ ازْدَادَتْ تَنَاسُبًا بِالْعَقْلِ الْفَعَّالِ الْكَامِلِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَازْدَادَتْ إفَاضَةُ نُورِهِ عَلَيْهَا لِازْدِيَادِ الِاسْتِفَاضَةِ بِازْدِيَادِ الْمُنَاسَبَةِ ، وَلَمَّا تَفَاوَتَتْ الْعُقُولُ فِي الْأَشْخَاصِ تَعَذَّرَ الْعِلْمُ بِأَنَّ عَقْلَ كُلِّ شَخْصٍ هَلْ بَلَغَ الْمَرْتَبَةَ الَّتِي هِيَ مَنَاطُ التَّكْلِيفِ ؟ فَقَدَّرَ الشَّارِعُ تِلْكَ الْمَرْتَبَةَ بِوَقْتِ الْبُلُوغِ إقَامَةً لِلسَّبَبِ الظَّاهِرِ مَقَامَ حُكْمِهِ كَمَا فِي السَّفَرِ ، وَالْمَشَقَّةِ ، وَذَلِكَ لِحُصُولِ شَرَائِطِ كَمَالِ الْعَقْلِ وَأَسْبَابِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِنَاءً عَلَى تَمَامِ التَّجَارِبِ الْحَاصِلَةِ بِالْإِحْسَاسَاتِ الْجُزْئِيَّةِ وَالْإِدْرَاكَاتِ الضَّرُورِيَّةِ ، وَتَكَامُلِ الْقُوَى الْجُسْمَانِيَّةِ مِنْ الْمُدْرَكَةِ ، وَالْمُحَرَّكَةِ الَّتِي هِيَ مَرَاكِبُ لِلْقُوَّةِ الْعَقْلِيَّةِ بِمَعْنَى أَنَّهَا بِوَاسِطَتِهَا تَسْتَفِيدُ الْعُلُومَ ابْتِدَاءً ، وَتَصِلُ إلَى الْمَقَاصِدِ ، وَبِمَعُونَتِهَا يَظْهَرُ آثَارُ الْإِدْرَاكِ ، وَهِيَ مُسَخَّرَةٌ ، وَمُطِيعَةٌ لِلْقُوَّةِ الْعَقْلِيَّةِ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى فَهِيَ تَأْمُرُهَا بِالْأَخْذِ ، وَالْإِعْطَاءِ ، وَاسْتِيفَاءِ اللَّذَّاتِ ، وَالتَّحَرُّكِ لِلْإِدْرَاكَاتِ قَدْرَ مَا تَرَى مِنْ الْمَصْلَحَةِ فَتَحْصُلُ الْكَمَالَاتُ .
( قَوْلُهُ ، وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ الْأَمْرِ ) اعْلَمْ أَنَّ الْمُهِمَّ فِي هَذَا