طَارِئَةٍ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَنَعَةٌ ، فَقَدْ سَقَطَتْ ؛ وَلِأَنَّهُ الْإِلْزَامُ لِتَعَذُّرِهِ حِسًّا ، وَحَقِيقَةً ، فَيَعْمَلُ بِتَأْوِيلِهِ الْفَاسِدِ فَلَا يُؤَاخَذُ بِضَمَانِ مَا أُتْلِفَ مِنْ مَالٍ أَوْ نَفْسٍ لَكِنْ يُسْتَرَدُّ مِنْهُ مَا كَانَ فِي يَدِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يُفْتَى بِوُجُوبِ أَدَاءِ الضَّمَانِ فِيمَا بَيْنَهُمْ لَكِنَّهُمْ لَا يُلْزَمُونَ ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّ تَبْلِيغَ الْحُجَّةِ الشَّرْعِيَّةِ قَدْ انْقَطَعَتْ بِمَنَعَةٍ قَائِمَةٍ حِسًّا فِيمَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ بِخِلَافِ الْإِثْمِ ، فَإِنَّ الْمَنَعَةَ لَا تَظْهَرُ فِي حَقِّ الشَّارِعِ ، وَلَا تَسْقُطُ حُقُوقُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنَعَةٌ ، فَلَا مَانِعَ مِنْ تَبْلِيغِ الْحُجَّةِ ، وَإِلْزَامِ الْحُكْمِ فَيُؤَاخَذُ بِالضَّمَانِ ، وَيَجِبُ عَلَيْنَا مُحَارَبَةُ الْبَاغِي لِقَوْلِهِ تَعَالَى { فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ } وَلِأَنَّ الْبَغْيَ مَعْصِيَةٌ ، وَمُنْكَرٌ ، وَنَهْيُ الْمُنْكَرِ فَرْضٌ ، وَذَلِكَ بِالْقِتَالِ ، وَقِيلَ: إنَّمَا تَجِبُ مُحَارَبَتُهُمْ إذَا اجْتَمَعُوا ، وَعَزَمُوا عَلَى الْقِتَالِ ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَجِبُ بِطَرِيقِ الدَّفْعِ .
( قَوْلُهُ: وَلَمْ يُحْرَمْ الْمِيرَاثَ بِقَتْلِهِ ) أَيْ: قَتْلِ الْبَاغِي لِوُجُودِ السَّبَبِ مَعَ عَدَمِ الْمَانِعِ إذْ الْقَتْلُ إنَّمَا يَكُونُ مَانِعًا إذَا كَانَ مَحْظُورًا لِيَكُونَ الْحِرْمَانُ جَزَاءً ، وَعُقُوبَةً عَلَيْهِ لَا إذَا كَانَ مَأْمُورًا بِهِ كَقَتْلِ الْبَاغِي ، وَالْقَتْلِ رَجْمًا أَوْ قِصَاصًا ، وَكَذَا لَا يُحْرَمُ الْبَاغِي الْمِيرَاثَ بِقَتْلِ مُوَرِّثِهِ الْعَادِلِ ؛ لِأَنَّ قَتْلَهُ حَقٌّ فِي زَعْمِ الْبَاغِي بِنَاءً عَلَى تَأْوِيلِهِ ، وَتَمَسُّكِهِ بِمَا عُرِضَتْ لَهُ مِنْ الشُّبْهَةِ ، وَوِلَايَتُنَا مُنْقَطِعَةٌ عَنْهُ لِمَكَانِ الْمَنَعَةِ فَكَانَ قَتْلُهُمْ أَهْلَ الْحَقِّ فِي حَقِّ الْأَحْكَامِ لَا فِي حَقِّ الْأَثَامِ بِمَنْزِلَةِ الْجِهَادِ ؛ لِأَنَّ انْضِمَامَ الْمَنَعَةِ ، وَانْقِطَاعَ وِلَايَةِ الْإِلْزَامِ إلَى التَّأْوِيلِ الْفَاسِدِ يَجْعَلُهُ بِمَنْزِلَةِ الْجِهَادِ الصَّحِيحِ فِي حَقِّ التَّوْرِيثِ