حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى السَّبَبَ الظَّاهِرَ لِلرُّشْدِ ، وَهُوَ أَنْ يَبْلُغَ سِنَّ الْجُدُودَةِ ، فَإِنَّهُ لَا يَنْفَكُّ عَنْ الرُّشْدِ إلَّا نَادِرًا مَقَامَ الرُّشْدِ عَلَى مَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ فِي الشَّرْعِ مِنْ تَعَلُّقِ الْأَحْكَامِ بِالْغَالِبِ فَقَالَ يُدْفَعُ إلَيْهِ الْمَالُ بَعْدَ خَمْسٍ ، وَعِشْرِينَ سَنَةً أُونِسَ مِنْهُ الرُّشْدُ أَوْ لَمْ يُؤْنَسْ ، وَهُمَا تَمَسَّكَا بِظَاهِرِ الْآيَةِ فَقَالَا لَا يُدْفَعُ إلَيْهِ الْمَالُ مَا لَمْ يُؤْنَسْ مِنْهُ الرُّشْدُ ، ثُمَّ بَعْدَ الْإِجْمَاعِ عَلَى مَنْعِ مَالِ مَنْ بَلَغَ سَفِيهًا اخْتَلَفُوا فِي حَجْرِ مَنْ صَارَ سَفِيهًا بَعْدَ الْبُلُوغِ فَجَوَّزَهُ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى تَمَسُّكًا بِوُجُوهٍ: الْأَوَّلُ ، هَذَا الْحَجْرُ بِطَرِيقِ النَّظَرِ دُونَ الْعُقُوبَةِ وَالزَّجْرِ وَالسَّفِيهُ وَإِنْ لَمْ يَسْتَحِقَّ النَّظَرَ لَهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ فَاسِقٌ لَكِنْ يَسْتَحِقُّ النَّظَرَ مِنْ جِهَةِ دِينِهِ ، وَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مُسْلِمٌ ، وَلِهَذَا جَازَ عَفْوُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْآخِرَةِ عَنْ صَاحِبِ الْكَبِيرَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَتُبْ ، وَحَسُنَ عَفْوُ الْوَلِيِّ ، وَالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا عَنْ الْقِصَاصِ ، وَالْجِنَايَاتِ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُسْلِمَ حَالَ السَّفَهِ يَفْتَقِرُ إلَى النَّظَرِ لَهُ فَيُحْجَرُ .
الثَّانِي ، الْقِيَاسُ عَلَى مَنْعِ الْمَالِ فَإِنَّهُ إنَّمَا مُنِعَ عَنْهُ لِيَبْقَى مِلْكُهُ ، وَلَا يَزُولُ بِالْإِتْلَافِ فَلَا بُدَّ مِنْ مَنْعِ نَفَاذِ التَّصَرُّفَاتِ ، وَإِلَّا لَأُبْطِلَ مِلْكُهُ بِإِتْلَافِهِ بِالتَّصَرُّفَاتِ ، وَلَمْ يَكُنْ الْمَوْلَى فِي الْحِفْظِ إلَّا الْكُلْفَةُ ، وَالْمُؤْنَةُ الثَّالِثُ أَنَّهُ إنَّمَا صَحَّحَ عِبَارَاتِ الْعَاقِلِ ، وَجَوَّزَ تَصَرُّفَاتِهِ لِيَكُونَ نَفْعًا لَهُ بِتَحْصِيلِ الْمَطَالِبِ فَإِذَا صَارَ ذَلِكَ ضَرَرًا عَلَيْهِ كَانَ نَفْعُهُ فِي الْحَجْرِ ، فَيَجِبُ .
الرَّابِعُ أَنَّ فِي الْحَجْرِ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّ السَّفِيهَ بِإِتْلَافِهِ ، وَإِسْرَافِهِ يَصِيرُ مَطِيَّةً لِدُيُونِ النَّاسِ ، وَمَظِنَّةً لِوُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ