بِحَسَبِ مَحَلِّ الْكَلَامِ أَوْ أَعَمَّ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا فَكُلٌّ مِنْهُمَا مُحْكَمٌ ؛ لِأَنَّ الْإِخْبَارَ بِسُجُودِ الْمَلَائِكَةِ لَا يَقْبَلُ النَّسْخَ كَمَا أَنَّ الْإِخْبَارَ بِعِلْمِ اللَّهِ لَا يَقْبَلُهُ فَلِأَجَلِ هَذَا أَوْرَدْت مِثَالَيْنِ فِي الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ لِيَظْهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُفَسَّرِ وَالْمُحْكَمِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى { قَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً } مُفَسَّرٌ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ كَافَّةً سَدٌّ لِبَابِ التَّخْصِيصِ لَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ النَّسْخَ لِكَوْنِهِ حُكْمًا شَرْعِيًّا ، وَقَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { الْجِهَادُ مَاضٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } مُحْكَمٌ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ { إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } سَدٌّ لِبَابِ النَّسْخِ ( وَالْكُلُّ يُوجِبُ الْحُكْمَ إلَّا أَنَّهُ يَظْهَرُ التَّفَاوُتُ عِنْدَ التَّعَارُضِ ، وَإِذَا خَفِيَ فَإِنْ خَفِيَ لِعَارِضٍ يُسَمَّى خَفِيًّا ، وَإِنْ خَفِيَ لِنَفْسِهِ فَإِنْ أُدْرِكَ عَقْلًا فَمُشْكِلٌ أَوْ بَلْ نَقْلًا فَمُجْمَلٌ أَوْ لَا أَصْلًا فَمُتَشَابِهٌ ، فَالْخَفِيُّ كَآيَةِ السَّرِقَةِ خَفِيَتْ فِي حَقِّ النَّبَّاشِ وَالطَّرَّارِ لِاخْتِصَاصِهِمَا بِاسْمٍ آخَرَ ، فَيُنْظَرَ إنْ كَانَ الْخَفَاءُ لِمَزِيَّةٍ يَثْبُتُ فِيهِ الْحُكْمُ ، وَلِنُقْصَانٍ لَا ، وَالْمُشْكِلُ إمَّا لِغُمُوضٍ فِي الْمَعْنَى نَحْوُ { وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا } فَإِنَّ غَسْلَ ظَاهِرِ الْبَدَنِ وَاجِبٌ وَغَسْلَ بَاطِنِهِ سَاقِطٌ فَوَقَعَ الْإِشْكَالُ فِي الْفَمِ فَإِنَّهُ بَاطِنٌ مِنْ وَجْهٍ حَتَّى لَا يَفْسُدَ الصَّوْمُ بِابْتِلَاعِ الرِّيقِ وَظَاهِرٌ مِنْ وَجْهٍ حَتَّى لَا يَفْسُدَ بِدُخُولِ شَيْءٍ فِي الْفَمِ فَاعْتَبَرْنَا الْوَجْهَيْنِ فَأُلْحِقَ بِالظَّاهِرِ فِي الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى ) .
حَتَّى وَجَبَ غَسْلُهُ فِي الْجَنَابَةِ ( وَبِالْبَاطِنِ فِي الصُّغْرَى ) فَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ فِي الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ ؛ ( لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى { وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا } بِالتَّشْدِيدِ يَدُلُّ عَلَى التَّكَلُّفِ وَالْمُبَالَغَةِ لَا قَوْله تَعَالَى { فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ } أَوْ لِاسْتِعَارَةٍ بَدِيعَةٍ نَحْوُ { قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ } ) فَقَوْلُهُ