عَلِمْنَا أَوْ لَمْ نَعْلَمْ ، وَالْأَلْيَقُ بِهَذَا الْمَقَامِ أَنْ يَكُونَ قَوْله تَعَالَى { رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا } سُؤَالًا لِلْعِصْمَةِ عَنْ الزَّيْغِ السَّابِقِ ذِكْرُهُ الدَّاعِي إلَى اتِّبَاعِ الْمُتَشَابِهَاتِ الَّذِي يُوقِعُ صَاحِبَهُ فِي الْفِتْنَةِ وَالضَّلَالَةِ وَأَيْضًا عَلَى ذَلِكَ الْمَذْهَبِ يَقُولُونَ آمَنَّا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وَالْحَذْفُ خِلَافُ الْأَصْلِ ( فَكَمَا اُبْتُلِيَ مَنْ لَهُ ضَرْبُ جَهْلٍ بِالْإِمْعَانِ فِي السَّيْرِ ) أَيْ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ ، وَالْمُرَادُ بَذْلُ الْمَجْهُودِ وَالطَّاقَةِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ ( اُبْتُلِيَ الرَّاسِخُ فِي الْعِلْمِ بِالتَّوَقُّفِ ) أَيْ عَنْ طَلَبِهِ ، وَهَذَا جَوَابُ إشْكَالٍ ، وَهُوَ أَنَّ الْكَلَامَ لِلْإِفْهَامِ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ حَظٌّ فِي الْعِلْمِ بِالْمُتَشَابِهَاتِ فَمَا الْفَائِدَةُ فِي إنْزَالِ الْمُتَشَابِهَاتِ فَنُجِيبُ أَنَّ الْفَائِدَةَ هِيَ الِابْتِلَاءُ فَكَمَا اُبْتُلِيَ الْجَاهِلُ بِالْمُبَالَغَةِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ اُبْتُلِيَ الرَّاسِخُ بِكَبْحِ عِنَانِ ذِهْنِهِ عَنْ التَّأَمُّلِ وَالطَّلَبِ ، فَإِنَّ رِيَاضَةَ الْبَلِيدِ تَكُونُ بِالْعَدْوِ ، وَرِيَاضَةَ الْجَوَادِ تَكُنْ بِكَبْحِ الْعِنَانِ وَالْمَنْعِ عَنْ السَّيْرِ ( ، وَهَذَا أَعْظَمُهَا بَلْوًى ، وَأَعَمُّهَا جَدْوًى ) أَيْ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الِابْتِلَاءِ أَعْظَمُ النَّوْعَيْنِ بَلْوًى ، وَالنَّوْعَانِ مِنْ الِابْتِلَاءِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ ابْتِلَاءِ الْجَاهِلِ ، وَالْعَالِمِ ، وَإِنَّمَا كَانَ أَعْظَمَهُمَا بَلْوًى ؛ لِأَنَّ هَذَا الِابْتِلَاءَ هُوَ أَنْ يُسَلِّمَ ذَلِكَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَيُفَوِّضَهُ إلَيْهِ ، وَيُلْقِيَ نَفْسَهُ فِي مَدْرَجَةِ الْعَجْزِ ، وَالْهَوَانِ ، وَيَتَلَاشَى عِلْمُهُ فِي عِلْمِ اللَّهِ ، وَلَا يَبْقَى لَهُ فِي بَحْرِ الْفَنَاءِ اسْمٌ ، وَلَا رَسْمٌ وَهَذَا مُنْتَهَى إقْدَامِ الطَّالِبِينَ ، وَقَدْ قِيلَ: الْعَجْزُ عَنْ دَرْكِ الْإِدْرَاكِ إدْرَاكٌ