يُوَافِقُ مَا قَرَّرَهُ أَئِمَّةُ الْعَرَبِيَّةِ: مِنْ أَنَّ الْكَلَامَ إذَا اشْتَمَلَ عَلَى قَيْدٍ زَائِدٍ عَلَى مُجَرَّدِ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ فَذَلِكَ الْقَيْدُ هُوَ مَنَاطُ الْإِفَادَةِ ، وَمُتَعَلَّقُ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ ، وَمَرْجِعُ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ ، وَقَيْدُ الشَّيْءِ بِكَوْنِهِ غَيْرَ وَاجِبٍ احْتِرَازٌ عَنْ مِثْلِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { أَدُّوا عَنْ كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ } الْحَدِيثَ ( قَوْلُهُ: النَّظِيرَانِ الْأَوَّلَانِ ) أَوْرَدَ لِكُلٍّ مِنْ الْمُفَسَّرِ ، وَالْمُحْكَمِ مِثَالَيْنِ فَالْمِثَالُ الْأَوَّلُ لِلْمُفَسَّرِ هُوَ قَوْله تَعَالَى { فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ } ، وَالْمِثَالُ الْأَوَّلُ لِلْمُحْكَمِ هُوَ قَوْله تَعَالَى { وَاَللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } ، وَلِلْمُصَنِّفِ فِي التَّمْثِيلِ بِهِمَا نَظَرٌ ؛ لِأَنَّهُ إنْ اشْتَرَطَ فِي الْمُحْكَمِ أَنْ يَكُونَ عَدَمُ احْتِمَالِ النَّسْخِ بِاعْتِبَارِ لَفْظٍ دَالٍ عَلَى الدَّوَامِ ، وَالتَّأْبِيدِ كَمَا فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { الْجِهَادُ مَاضٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } فَلَيْسَ فِي قَوْله تَعَالَى { وَاَللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ مُحْكَمًا ، وَإِنْ اشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِحَسَبِ مَحَلِّ الْكَلَامِ بِأَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى فِي نَفْسِهِ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ التَّبْدِيلَ أَوْ لَمْ يُشْتَرَطْ شَيْءٌ مِنْ الْأَمْرَيْنِ عَلَى التَّعْيِينِ بَلْ أُرِيدَ عَدَمُ احْتِمَالِ النَّسْخِ بِاعْتِبَارِ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَوْ بِاعْتِبَارِ مَحَلِّ الْكَلَامِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى { فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ } ، أَيْضًا مُحْكَمٌ ؛ لِأَنَّ أَخْبَارَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَحْتَمِلُ النَّسْخَ لِتَعَالِيهِ عَنْ الْكَذِبِ وَالْغَلَطِ ، وَمَبْنَى هَذَا الِاعْتِرَاضِ عَلَى تَبَايُنِ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ ، وَاشْتِرَاطِ احْتِمَالِ النَّسْخِ فِي الْمُفَسَّرِ ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمُفَسَّرَ هُوَ قَوْله تَعَالَى { الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ } مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى قَوْلِهِ فَسَجَدُوا إلَّا فَالْأَقْسَامُ الْأَرْبَعَةُ مُتَحَقِّقَةٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَإِنَّ