الْمَلَائِكَةَ جَمْعٌ ظَاهِرٌ فِي الْعُمُومِ ، وَبِقَوْلِهِ كُلُّهُمْ ازْدَادَ وُضُوحًا فَصَارَ نَصًّا ، وَبِقَوْلِهِ أَجْمَعُونَ انْقَطَعَ احْتِمَالُ التَّخْصِيصِ فَصَارَ مُفَسَّرًا ، وَقَوْلُهُ: فَسَجَدَ إخْبَارٌ لَا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ فَيَكُونُ مُحْكَمًا وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ نَسْخَ الْمَعْنَى لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا فِي كَلَامٍ دَالٍّ عَلَى حُكْمٍ لِلْقَطْعِ بِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِنَسْخِ مَعْنَى اللَّفْظِ الْمُفْرَدِ فَإِذَا اُعْتُبِرَ فِي الْمُفَسَّرِ احْتِمَالُ النَّسْخِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ كَلَامًا مُفِيدًا لِحُكْمٍ ، وَاعْتُرِضَ أَيْضًا بِأَنَّ قَوْله تَعَالَى { فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ } لَا يَصْلُحُ مِثَالًا لِلْمُفَسَّرِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَثْنَى إبْلِيسَ فَيَكُونُ مُحْتَمِلًا لِلتَّخْصِيصِ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ ؛ لِأَنَّ إبْلِيسَ مِنْ الْجِنِّ ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الِاتِّصَالُ ، وَعَدَّ إبْلِيسُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ ، وَهُوَ بَابٌ وَاسِعٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ ، وَلِهَذَا يَتَنَاوَلُهُ الْأَمْرُ فِي قَوْله تَعَالَى { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ } بَلْ الْجَوَابُ مَا مَرَّ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَيْسَ بِتَخْصِيصٍ فَإِنْ قِيلَ: إنَّ قَوْله تَعَالَى { قَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً } ، أَيْضًا لَا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ لِانْقِطَاعِ الْوَحْيِ فَلَا يَكُونُ مُفَسَّرًا قُلْنَا: الْمُرَادُ الِاحْتِمَالِ فِي زَمَنِ الْوَحْيِ ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَلَا شَيْءَ مِنْ الْقُرْآنِ بِمُحْتَمِلٍ لِلنَّسْخِ وَمِثْلُهُ يُسَمَّى مُحْكَمًا لِغَيْرِهِ لِيَشْمَلَ الظَّاهِرَ ، وَالنَّصَّ ، وَالْمُفَسَّرَ ، وَالْمُحْكَمَ ( قَوْلُهُ وَالْكُلُّ ) أَيْ الظَّاهِرُ ، وَالنَّصُّ ، وَالْمُفَسَّرُ ، وَالْمُحْكَمُ يُوجِبُ الْحُكْمَ ، أَيْ يُثْبِتُهُ قَطْعًا ، وَيَقِينًا ، وَعِنْدَ الْبَعْضِ حُكْمُ الظَّاهِرِ وَالنَّصِّ وُجُوبُ الْعَمَلِ وَاعْتِقَادُ حَقِّيَّةِ الْمُرَادِ لَا ثُبُوتُ الْحُكْمِ قَطْعًا وَيَقِينًا ؛ لِأَنَّ الِاحْتِمَالَ ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا قَاطِعٌ لِلْيَقِينِ ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِاحْتِمَالٍ لَمْ يَنْشَأْ عَنْ