مَذْهَبِ السُّوفُسْطائيَّةِ النَّافِينَ حَقَائِقَ الْأَشْيَاءِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ حَقَائِقُ الْأَلْفَاظِ إذْ مَا مِنْ لَفْظٍ إلَّا وَلَهُ احْتِمَالٌ قَرِيبٌ أَوْ بَعِيدٌ مِنْ نَسْخٍ أَوْ خُصُوصٍ أَوْ اشْتِرَاكٍ أَوْ مَجَازٍ فَإِنْ اُعْتُبِرَتْ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتُ مَعَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ تَبْطُلُ دَلَالَاتُ الْأَلْفَاظِ عَلَى الْمَعَانِي الْمَوْضُوعِ لَهَا ( وَأَيْضًا لَمْ نَدَّعِ أَنَّهُ مُحْكَمٌ ، وَعِنْدَ الْعَامَّةِ مُوجَبُهُ وَاحِدٌ إذْ الِاشْتِرَاكُ خِلَافُ الْأَصْلِ ، وَهُوَ الْإِبَاحَةُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ إذْ هِيَ الْأَدْنَى ، وَالنَّدْبُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ إذْ لَا بُدَّ مِنْ تَرْجِيحِ جَانِبِ الْوُجُودِ ، وَأَدْنَاهُ النَّدْبُ ، وَالْوُجُوبُ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } ) يُفْهَمُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ خَوْفُ إصَابَةِ الْفِتْنَةِ أَوْ الْعَذَابِ بِمُخَالَفَةِ الْأَمْرِ إذْ لَوْلَا ذَلِكَ الْخَوْفُ لَقَبُحَ التَّحْذِيرُ فَيَكُونُ مَأْمُورًا بِهِ وَاجِبًا إذْ لَيْسَ عَلَى تَرْكِ غَيْرِ الْوَاجِبِ خَوْفُ الْفِتْنَةِ أَوْ الْعَذَابِ .
وَ ( { أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ } ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ } ، الْقَضَاءُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَعْنَى الْحُكْمِ ، وَأَمْرًا مَصْدَرٌ مِنْ غَيْرِ لَفْظِهِ أَوْ حَالٌ أَوْ تَمْيِيزٌ ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ الْقَضَاءِ مَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْله تَعَالَى { فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ } ؛ لِأَنَّ عَطْفَ الرَّسُولِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى يَمْنَعُ ذَلِكَ ، وَلَا يُرَادُ الْقَضَاءُ الَّذِي يُذْكَرُ فِي جَنْبِ الْقَدَرِ بِعَيْنِ ذَلِكَ فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ الْحُكْمُ ، وَالْمُرَادَ مِنْ الْأَمْرِ الْقَوْلُ لَا الْفِعْلُ ؛ لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ الْفِعْلُ فَإِمَّا أَنْ يُرَادَ فِعْلُ الْقَاضِي أَوْ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ ، وَالْأَوَّلُ لَا يَلِيقُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إذَا فَعَلَ فِعْلًا فَلَا مَعْنَى لِنَفْيِ