جَمِيعِ أَوَامِرِهِمَا بِدَلِيلِ وُقُوعِ الْأَمْرِ نَكِرَةً فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ مِثْلُ إذَا جَاءَك رَجُلٌ فَأَكْرِمْهُ ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ الْقَوْلِ بِوُقُوعِهِ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ .
ثُمَّ لَا بُدَّ هَاهُنَا مِنْ بَيَانٍ الْأَمْرَيْنِ: أَحَدِهِمَا أَنَّ الْقَضَاءَ هَاهُنَا بِمَعْنَى الْحُكْمِ ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّهُ إتْمَامُ الشَّيْءِ قَوْلًا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى { وَقَضَى رَبُّكَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا إلَّا إيَّاهُ } ، أَيْ حَكَمَ أَوْ فِعْلًا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى { فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ } ، أَيْ خَلَقَهُنَّ وَأَتْقَنَ أَمْرَهُنَّ ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْإِسْنَادَ إلَى الرَّسُولِ يَأْبَى عَنْ هَذَا الْمَعْنَى فَتَعَيَّنَ الْأَوَّلُ ، وَأَمَّا إطْلَاقُهُ عَلَى تَعَلُّقِ الْإِرَادَةِ الْإِلَهِيَّةِ بِوُجُودِ الشَّيْءِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُوجِبُهُ فَمَجَازٌ ، وَثَانِيهمَا: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْأَمْرِ هُوَ الْقَوْلُ دُونَ الْفِعْلِ أَوْ الشَّيْءِ عَلَى مَا ذَكَرُوا فِي قَوْله تَعَالَى { إذَا قَضَى أَمْرًا } ، أَيْ إذَا أَرَادَ شَيْئًا ، وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ فَعَلَ فِعْلًا فَلَا مَعْنَى لِنَفْيِ خِيَرَةِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَلَوْ أُرِيدَ حَكَمَ بِفِعْلٍ أَوْ شَيْءٍ اُحْتِيجَ إلَى تَقْدِيرِ الْبَاءِ ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ارْتِكَابِهِ لَا يَصِحُّ نَفْيُ الْخِيَرَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ بِنَدْبِ فِعْلِ شَيْءٍ أَوْ إبَاحَتِهِ ، وَحِينَئِذٍ تَثْبُتُ الْخِيَرَةُ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ بِفِعْلٍ مُوجِبًا لِنَفْيِ الْخِيَرَةِ يُثْبِتُ الْمُدَّعَى ، وَهُوَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ يَقْتَضِي نَفْيَ الْخِيَرَةِ لِلْعِبَادِ وَلُزُومَ الْمُتَابَعَةِ وَالِانْقِيَادِ فَظَهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ ، مِنْ أَمْرِهِمْ هُوَ الْقَوْلُ الْمَخْصُوصُ إمَّا بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ أَوْ نَفْسِ الصِّيغَةِ سَوَاءٌ جُعِلَ أَمْرًا نَصْبًا عَلَى الْمَصْدَرِ أَوْ التَّمْيِيزِ لِمَا فِي الْحُكْمِ مِنْ الْإِبْهَامِ أَوْ الْحَالِ عَلَى أَنَّ الْمَصْدَرَ بِمَعْنَى اسْمِ الْفَاعِلِ كَمَا تَقُولُ جَاءَنِي زَيْدٌ رُكُوبًا فَأَعْجَبَنِي رُكُوبُهُ ، وَمِنْهَا قَوْله