فهرس الكتاب

الصفحة 593 من 1655

تَعَالَى { مَا مَنَعَكَ أَنْ لَا تَسْجُدَ } أَيْ مَا مَنَعَكَ مِنْ السُّجُودِ عَلَى زِيَادَةِ لَا أَوْ مَا دَعَاك إلَى تَرْكِ السُّجُودِ مَجَازًا ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الشَّيْءِ دَاعٍ إلَى نَقِيضِهِ ، وَالِاسْتِفْهَامُ لِلتَّوْبِيخِ وَالْإِنْكَارِ وَالِاعْتِرَاضِ وَهُوَ إنَّمَا يَتَوَجَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ الْأَمْرِ لِلْإِيجَابِ لِيَسْتَحِقَّ تَارِكُهُ الذَّمَّ ، وَإِلَّا فَلَهُ أَنْ يَقُولَ: إنَّك مَا أَلْزَمْتَنِي السُّجُودَ فَعَلَامَ اللَّوْمُ وَالْإِنْكَارُ وَالتَّوْبِيخُ فَإِنْ قُلْت هَذَا لَا يَدُلُّ إلَّا عَلَى كَوْنِ الْأَمْرِ بِالسُّجُودِ لِلْوُجُوبِ ، وَلَا نِزَاعَ لِأَحَدٍ فِي اسْتِعْمَالِ الْأَمْرِ لِذَلِكَ ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي كَوْنِهِ حَقِيقَةً لَهُ ، وَخَاصًّا بِهِ .

قُلْت إطْلَاقُ قَوْلِهِ { اُسْجُدُوا لِآدَمَ } مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ مَعَ قَوْلِهِ { إذْ أَمَرْتُكَ } دُونَ أَنْ يَقُولَ: إذْ أَمَرْتُك أَمْرًا يُجَابُ وَإِلْزَامُ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ لِلْوُجُوبِ ، وَهُوَ الْمُدَّعِي ( إذْ ) لَا نِزَاعَ فِي أَنَّ الْمُقَيَّدَ بِالْقَرِينَةِ يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ الْإِيجَابِ مَجَازًا ، وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى { إنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } ذَهَبَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: إلَى أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ مَجَازٌ عَنْ سُرْعَةِ الْإِيجَادِ وَسُهُولَتِهِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَكَمَالِ قُدْرَتِهِ ، تَمْثِيلًا لِلْغَائِبِ أَعْنِي تَأْثِيرَ قُدْرَتِهِ فِي الْمُرَادِ بِالشَّاهِدِ أَعْنِي أَمْرَ الْمُطَاعِ لِلْمُطِيعِ فِي حُصُولِ الْمَأْمُورِ بِهِ مِنْ غَيْرِ امْتِنَاعٍ وَتَوَقُّفٍ وَلَا افْتِقَارٍ إلَى مُزَاوَلَةِ عَمَلٍ وَاسْتِعْمَالِ آلَةٍ ، وَلَيْسَ هَاهُنَا قَوْلٌ وَلَا كَلَامٌ وَإِنَّمَا وُجُودُ الْأَشْيَاءِ بِالْخَلْقِ وَالتَّكْوِينِ مَقْرُونًا بِالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَجْرَى سُنَنَهُ فِي تَكْوِينِ الْأَشْيَاءِ أَنْ يُكَوِّنَهَا بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَمْتَنِعْ تَكْوِينُهَا بِغَيْرِهَا ، وَالْمَعْنَى نَقُولُ لَهُ: اُحْدُثْ فَيَحْدُثُ عَقِيبَ هَذَا الْقَوْلِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت