لِجَوَازِ تَخَلُّفِ مَطَالِبِهِمْ عَنْ الطَّلَبِ فَالْأَمْرُ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ فِي الْإِيجَابِ بِمَعْنَى الْإِلْزَامِ وَطَلَبِ الْفِعْلِ وَإِرَادَتِهِ جَزْمًا ، وَحَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ فِي الْإِيجَابِ بِمَعْنَى الطَّلَبِ وَالْحُكْمِ بِاسْتِحْقَاقِ تَارِكِهِ الذَّمَّ وَالْعِقَابَ لَا بِمَعْنَى إرَادَةِ وُجُودِ الْفِعْلِ ، وَالْأَدِلَّةُ يَدُلُّ بَعْضُهَا عَلَى الْأَوَّلِ وَبَعْضُهَا عَلَى الثَّانِي ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ فِي اللُّغَةِ لِإِرَادَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ بَلْ لِطَلَبِهِ ، وَهُوَ لَا يَسْتَلْزِمُ الْإِرَادَةَ بَلْ قَدْ يَكُونُ مَعَهَا فَيَحْصُلُ الْمَأْمُورُ بِهِ فِي أَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَدْ يَكُونُ بِدُونِهَا فَلَا يَحْصُلُ ، وَلَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ أَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَوَامِرِ الْعِبَادِ فِي نَفْسِ مَدْلُولِ اللَّفْظِ ، وَلَا بِأَنَّ أَوَامِرَ الشَّرْعِ مَجَازَاتٌ لُغَوِيَّةٌ ، وَأَيْضًا لَوْ كَانَ أَمْرُ كُنْ لِطَلَبِ وُجُودِ الْحَادِثِ وَإِرَادَةِ تَكَوُّنِهِ مِنْ غَيْرِ تَخَلُّفٍ وَتَرَاخٍ وَكَانَ أَزَلِيًّا لَزِمَ قِدَمُ الْحَوَادِثِ ، وَأَيْضًا إذَا كَانَ أَزَلِيًّا لَمْ يَصِحَّ تَرَتُّبُهُ عَلَى تَعَلُّقِ الْإِرَادَةِ بِوُجُودِ الشَّيْءِ عَلَى مَا تُنْبِئُ عَنْهُ الْآيَةُ فَالْأَوْلَى أَنَّ الْكَلَامَ مَجَازٌ وَتَمْثِيلٌ لِسُرْعَةِ التَّكْوِينِ مِنْ غَيْرِ قَوْلٍ وَكَلَامٍ ، وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى { أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي } ، أَيْ تَرَكْت مُوجَبَهُ ، دَلَّ عَلَى أَنَّ تَارِكَ الْمَأْمُورِ بِهِ عَاصٍ ، وَكُلُّ عَاصٍ يَلْحَقُهُ الْوَعِيدُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا } ، أَيْ مَاكِثًا الْمُكْثَ الطَّوِيلَ ، وَالْوَعِيدُ عَلَى التَّرْكِ دَلِيلُ الْوُجُودِ ، وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ } ذَمَّهُمْ عَلَى مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ ، وَهُوَ مَعْنَى الْوُجُوبِ فَإِنْ قِيلَ: مِنْ أَيْنَ يُعْلَمُ أَنَّ الْوَعِيدَ وَالذَّمَّ عَلَى تَرْكِ الْمَأْمُورِ بِهِ ، وَلَوْ سُلِّمَ فَمِنْ أَيْنَ يُعْلَمُ الْوُجُوبُ فِي مُطْلَقِ الْأَمْرِ قُلْنَا مِنْ تَرَتُّبِ الْوَعِيدِ