وَأَنَّ الْمَأْذُونَ فِيهِ جِنْسٌ لِلْوَاجِبِ ، وَالْمُبَاحِ ، وَالْمَنْدُوبِ ، وَالْمُرَادُ بِجَوَازِ الْفِعْلِ هُوَ عَدَمُ الْحَرَجِ فِيهِ ، وَهُوَ كَوْنُهُ مَأْذُونًا فِيهِ ، وَالْمُنَاقَشَةُ فِي أَمْثَالِ ذَلِكَ مِمَّا لَا تَلِيقُ بِهَذِهِ الصِّنَاعَةِ .
أَلَا يُرَى أَنَّ قَوْلَهُمْ الْأَمْرُ حَقِيقَةٌ فِي الْوُجُوبِ لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ وُجُوبَ الْقِيَامِ مَثَلًا هُوَ الْمَدْلُولُ الْمُطَابِقُ لِلَفْظِ قُمْ بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لِطَلَبِ الْقِيَامِ عَلَى سَبِيلِ اللُّزُومِ ، وَالْمَنْعِ عَنْ التَّرْكِ .
فَإِنْ قُلْت قَدْ صَرَّحُوا بِاسْتِعْمَالِ الْأَمْرِ فِي النَّدْبِ ، وَالْإِبَاحَةِ ، وَإِرَادَتِهِمَا مِنْهُ ، وَلَا ضَرُورَةَ فِي حَمْلِ كَلَامِهِمْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي جِنْسِ النَّدْبِ ، وَالْإِبَاحَةِ عُدُولًا عَنْ الظَّاهِرِ ، وَمَا ذُكِرَ أَنَّ الْأَمْرَ لَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّرْكِ أَصْلًا إنْ أَرَادَ بِحَسَبِ الْحَقِيقَةِ فَغَيْرُ مُفِيدٍ ، وَإِنْ أَرَادَ بِحَسَبِ الْمَجَازِ فَمَمْنُوعٌ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ اللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ لِطَلَبِ الْفِعْلِ جَزْمًا فِي طَلَبِ الْفِعْلِ مَعَ إجَازَةِ التَّرْكِ .
وَالْإِذْنُ فِيهِ مَرْجُوحًا أَوْ مُسَاوِيًا بِجَامِعِ اشْتِرَاكِهِمَا فِي جَوَازِ الْفِعْلِ وَالْإِذْنِ فِيهِ قُلْت كَمَا صَرَّحُوا بِاسْتِعْمَالِ الْأَسَدِ فِي الْإِنْسَانِ الشُّجَاعِ ، وَإِرَادَتِهِ مِنْهُ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مِنْ أَفْرَادِ الشُّجَاعِ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّ لَفْظَ الْأَسَدِ يَدُلُّ عَلَى ذَاتِيَّاتِ الْإِنْسَانِ كَالنَّاطِقِ مَثَلًا فَإِذَا كَانَ الْجَامِعُ هَاهُنَا هُوَ جَوَازَ الْفِعْلِ ، وَالْإِذْنَ فِيهِ ، وَيُثْبِتُ خُصُوصِيَّةَ كَوْنِهِ مَعَ جَوَازِ التَّرْكِ أَوْ بِدُونِهِ بِالْقَرِينَةِ كَمَا أَنَّ الْأَسَدَ يُسْتَعْمَلُ فِي الشُّجَاعِ وَيُعْلَمُ كَوْنُهُ إنْسَانًا بِالْقَرِينَةِ أَلَا يُرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إطْلَاقُ لَفْظِ الْإِنْسَانِ عَلَى الْفَرَسِ بِجَامِعِ كَوْنِهِ حَيَوَانًا أَوْ مَاشِيًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ بَلْ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى مُطْلَقِ الْحَيَوَانِ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ عَلَى خُصُوصِهِ ، وَبِالْجُمْلَةِ لَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ الْمُنْصِفِ