الْفَرْقُ بَيْنَ صِيغَةِ افْعَلْ ، وَلَا تَفْعَلْ عِنْدَ قَصْدِ الْإِبَاحَةِ بِأَنَّ مَدْلُولَ الْأَوَّلِ جَوَازُ الْفِعْلِ ، وَمَدْلُولَ الثَّانِي جَوَازُ التَّرْكِ لَا أَنَّ مَدْلُولَ كُلٍّ مِنْهُمَا جَوَازُ الْفِعْلِ مَعَ جَوَازِ التَّرْكِ فَإِنْ قُلْت فَعَلَى هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِنَا: هَذَا الْأَمْرُ لِلنَّدْبِ ، وَقَوْلِنَا هُوَ لِلْإِبَاحَةِ ، إذْ الْمُرَادُ أَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي جَوَازِ الْفِعْلِ قُلْت: الْمُرَادُ بِكَوْنِهِ لِلنَّدْبِ أَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي جَوَازِ الْفِعْلِ مَعَ قَرِينَةٍ دَالَّةٍ عَلَى أَوْلَوِيَّةِ الْفِعْلِ ، وَالْمُرَادُ بِكَوْنِهِ لِلْإِبَاحَةِ أَنَّهُ خَالٍ عَنْ ذَلِكَ كَمَا إذَا قُلْنَا يُرْمَى الْحَيَوَانُ أَوْ يَطِيرُ حَيَوَانٌ فَإِنَّ مَدْلُولَ اللَّفْظِ وَاحِدٌ إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْإِنْسَانِ ، وَالثَّانِي فِي الطَّيْرِ ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْبَحْثَ الدَّقِيقَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّحْقِيقِ .
( قَوْلُهُ هَذَا إذَا اُسْتُعْمِلَ ) يَعْنِي أَنَّ الْوُجُوبَ هُوَ عَدَمُ الْحَرَجِ فِي الْفِعْلِ مَعَ الْحَرَجِ فِي التَّرْكِ فَارْتِفَاعُهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِارْتِفَاعِ الْجُزْأَيْنِ جَمِيعًا ، وَأَنْ يَكُونَ بِارْتِفَاعِ أَحَدِهِمَا فَلَا يَدُلُّ عَلَى الْإِبَاحَةِ ، وَبَقَاءِ الْجَوَازِ الثَّابِتِ فِي ضِمْنِ الْوُجُوبِ ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَدُلُّ ؛ لِأَنَّ دَلِيلَ الْوُجُوبِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْفِعْلِ ، وَامْتِنَاعِ التَّرْكِ ، وَدَلِيلَ النَّسْخِ لَا يُنَافِي الْجَوَازَ لِجَوَازِ أَنْ يَرْتَفِعَ الْمُرَكَّبُ بِارْتِفَاعِ أَحَدِ جُزْأَيْهِ فَبَقِيَ دَلِيلُ الْجَوَازِ سَالِمًا عَنْ الْمُعَارِضِ هَذَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ ، وَأَمَّا عِنْدَ قِيَامِ الدَّلِيلِ فَلَا نِزَاعَ .
وَحَاصِلُهُ أَنَّ جَوَازَ الْوَاجِبِ لَا يَرْتَفِعُ بِنَسْخِ الْوُجُوبِ بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى قِيَامِ الْمُحَرَّمِ ، وَدَلَالَةَ أَمْرِ الْوُجُوبِ عَلَى جَوَازِ الْفِعْلِ دَلَالَةَ الْحَقِيقَةِ عَلَى مَدْلُولِهَا التَّضَمُّنِيِّ لَا دَلَالَةَ الْمَجَازِ عَلَى مَدْلُولِهِ الْمَجَازِيِّ فَعَلَى تَقْدِيرِ نَسْخِ الْوُجُوبِ ، وَبَقَاءِ الْجَوَازِ لَا يَصِيرُ