بِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّ التَّكْلِيفَ هُوَ طَلَبُ إيقَاعِ الْفِعْلِ مِنْ الْعَبْدِ ، وَنَفْسُ الْوُجُوبِ لَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا سَتَعْرِفُ مِنْ أَنَّ نَفْسَ وُجُوبِ الصَّلَاةِ هُوَ لُزُومُ وُقُوعِ هَيْئَةٍ مَخْصُوصَةٍ مَوْضُوعَةٍ لِلْعِبَادَةِ عِنْدَ حُضُورِ الْوَقْتِ الشَّرِيفِ وَوُجُوبِ الْأَدَاءِ ، وَهُوَ لُزُومُ إيقَاعِ تِلْكَ الْهَيْئَةِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَتَحَقَّقُ التَّكْلِيفُ أَلَا يَرَى أَنَّ صَوْمَ الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ وَاجِبٌ ، وَلَا تَكْلِيفَ عَلَيْهِمَا ، وَكَذَا الزَّكَاةُ قَبْلَ الْحَوْلِ الثَّانِي ، إنَّ مَعْنَى اشْتِرَاطِ التَّكْلِيفِ بِالْقُدْرَةِ هُوَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ التَّكْلِيفُ إلَّا بِمَا يَسْتَطِيعُ الْعَبْدُ إيقَاعَهُ وَاحِدًا أَنَّهُ عِنْدَ تَعَلُّقِ الْإِرَادَةِ بِهِ ، وَإِلَّا فَلَا كَلَامَ فِي صِحَّةِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يَكُونُ مَقْدُورًا عِنْدَ وُرُودِ الْأَمْرِ ، وَعِنْدَ تَحَقُّقِ سَبَبِ الْوُجُودِ قَبْلَ الْمُبَاشَرَةِ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّ التَّكْلِيفَ قَبْلَ الْفِعْلِ وَالْقُدْرَةَ مَعَهُ .
( قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ قَدْ يَنْفَكُّ ) أَيْ: قَدْ يُوجَدُ نَفْسُ الْوُجُوبِ بِدُونِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ فَحِينَئِذٍ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْقُدْرَةِ الَّتِي مَنْشَأُ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهَا هُوَ الْأَدَاءُ ، وَهُوَ مُصَادَرَةٌ عَلَى الْمَطْلُوبِ إذْ لَيْسَ الْمُدَّعَى ، إلَّا أَنَّ الْمُحْتَاجَ إلَى الْقُدْرَةِ هُوَ وُجُوبُ الْأَدَاءِ لَا نَفْسُ الْوُجُوبِ .
( قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ غَالِبًا ) قَيَّدَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَدَاءِ الْحَجِّ بِدُونِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ نَادِرًا ، وَبِدُونِ الرَّاحِلَةِ كَثِيرًا لَكِنْ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ بِدُونِهِمَا إلَّا بِحَرَجٍ عَظِيمٍ فِي الْغَالِبِ ، وَفَرَّقَ بَيْنَ الْغَالِبِ وَالْكَثِيرِ بِأَنَّ كُلَّ مَا لَيْسَ بِكَثِيرٍ نَادِرٌ ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا لَيْسَ بِغَالِبٍ نَادِرًا بَلْ قَدْ يَكُونُ كَثِيرًا ، وَاعْتُبِرَ بِالصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ وَالْجُذَامِ فَإِنَّ الْأَوَّلَ غَالِبٌ ، وَالثَّانِيَ كَثِيرٌ ، وَالثَّالِثَ نَادِرٌ .
( قَوْلُهُ: وَهِيَ ) أَيْ: الْقُدْرَةُ الْمُمَكِّنَةُ شَرْطٌ لِوُجُوبِ أَدَاءِ كُلِّ وَاجِبٍ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ ؛ لِأَنَّ