يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ إذْ الْفِعْلُ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الْإِمْكَانِ وَيُتَصَوَّرُ بِدُونِ الْيُسْرِ .
( قَوْلُهُ: فَلَا يَجِبُ ) يَعْنِي بَعْدَمَا تَمَكَّنَ مِنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ بَعْدَ الْحَوْلِ ، وَلَمْ يُؤَدِّ حَتَّى هَلَكَ الْمَالُ لَمْ يَبْقَ الْوُجُوبُ لِعَدَمِ بَقَاءِ الْقُدْرَةِ الْمُيَسِّرَةِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ بِأَنْ هَلَكَ الْمَالُ كَمَا تَمَّ الْحَوْلُ فَلَا ضَمَانَ بِالِاتِّفَاقِ ، فَإِنْ قِيلَ فَفِي صُورَةِ الِاسْتِهْلَاكِ بِأَنْ يُنْفِقَ الْمَالَ فِي حَاجَتِهِ أَوْ يُلْقِيَهُ فِي الْبَحْرِ فَقَدْ انْتَفَتْ الْقُدْرَةُ الْمُيَسِّرَةُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ الضَّمَانُ ، فَجَوَابُهُ أَنَّ اشْتِرَاطَ بَقَاءِ الْقُدْرَةِ الْمُيَسِّرَةِ إنَّمَا كَانَ نَظَرًا لِلْمُكَلَّفِ ، وَقَدْ خَرَجَ بِالتَّعَدِّي عَنْ اسْتِحْقَاقِ النَّظَرِ لَهُ فَلَمْ يَسْقُطْ الْوُجُوبُ عَنْهُ ، أَوْ نَقُولُ نَجْعَلُ الْقُدْرَةَ الْمُيَسِّرَةَ بَاقِيَةً تَقْدِيرًا زَجْرًا عَلَى الْمُتَعَدِّي وَرَدًّا لِمَا قَصَدَهُ مِنْ إسْقَاطِ الْحَقِّ الْوَاجِبِ عَنْهُ نَفْسِهِ وَنَظَرًا لِلْفَقِيرِ .
( قَوْلُهُ: وَفِي هَذَا الْكَلَامِ مَا فِيهِ ) يَعْنِي أَنَّ التَّمَكُّنَ مِنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مِلْكِ النِّصَابِ بَلْ يَكْفِي مِلْكُ قَدْرِ الْمُؤَدَّى ، فَكَيْفَ يَكُونُ وُجُودُ النِّصَابِ مِنْ شَرَائِطِ التَّمَكُّنِ وَرَاجِعًا إلَى الْقُدْرَةِ الْمُمَكِّنَةِ عَلَى أَنَّهُمْ فَسَّرُوا الْقُدْرَةَ الْمُمَكِّنَةَ بِسَلَامَةِ الْأَسْبَابِ وَالْآلَاتِ ، وَالنِّصَابُ لَيْسَ مِنْهَا ، وَهَذَا لَا يَرِدُ عَلَى كَلَامِ الْقَوْمِ ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَجْعَلُوا النِّصَابَ مِنْ الْقُدْرَةِ الْمُمَكِّنَةِ بَلْ هُوَ مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ وَحُصُولِ الْأَهْلِيَّةِ بِأَنْ يَكُونَ غَنِيًّا فَيَتَمَكَّنُ مِنْ الْإِغْنَاءِ لَا مِنْ شَرَائِطِ الْيُسْرِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يُغَيِّرُ الْوَاجِبَ مِنْ الْعُسْرِ إلَى الْيُسْرِ ؛ لِأَنَّ إيتَاءَ الْخَمْسَةِ مِنْ الْمِائَتَيْنِ وَإِيتَاءَ الدِّرْهَمِ مِنْ الْأَرْبَعِينَ سَوَاءٌ فِي الْيُسْرِ ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: وَنِسْبَةُ رُبُعِ