فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
الِادِّعَاءِ إشَارَةٌ إلَى الْجَوَابِ ، وَهُوَ مَنْعُ التَّوَاتُرِ ، وَالْوُثُوقُ عَلَى كِتَابِهِمْ لِمَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ التَّحْرِيفِ وَاخْتِلَافِ النُّسَخِ وَتَنَاقُضِ الْأَحْكَامِ كَيْفَ وَلَمْ يَبْقَ فِي زَمَنِ بُخْتُ نَصَّرَ مِنْ الْيَهُودِ عَدَدٌ يَكُونُ إخْبَارُهُمْ مُتَوَاتِرًا وَخَبَرُ تَأْبِيدِ شَرِيعَةِ مُوسَى مِمَّا افْتَرَاهُ ابْنُ الرَّاوَنْدِيِّ لِيُعَارِضَ بِهِ دَعْوَى الرِّسَالَةِ مِنْ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَاشْتَهَرَ مُعَارَضَتُهُمْ بِهِ مَعَ حِرْصِهِمْ عَلَى دَفْعِ رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَالْقَائِلُونَ بِبُطْلَانِ النَّسْخِ عَقْلًا تَمَسَّكُوا بِوَجْهَيْنِ .
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يُوجِبُ كَوْنَ الشَّيْءِ مَأْمُورًا بِهِ وَمَنْهِيًّا عَنْهُ فَيَلْزَمُ حُسْنُهُ ، وَقُبْحُهُ لِذَاتِهِ ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ .
الثَّانِي: أَنَّ النَّسْخَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِدُونِ مَصْلَحَةٍ لِامْتِنَاعِ الْعَبَثِ عَلَى الْحَكِيمِ تَعَالَى بَلْ يَكُونُ لِحِكْمَةٍ خَفِيَتْ أَوَّلًا فَظَهَرَتْ ثَانِيًا ، وَهَذَا رُجُوعٌ عَنْ الْمَصْلَحَةِ الْأَوْلَى بِالِاطِّلَاعِ عَلَى مَصْلَحَةٍ أُخْرَى فَيَلْزَمُ الْبَدَاءُ وَالْجَهْلُ وَكِلَاهُمَا مُحَالَانِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَالْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى اسْتَدَلَّ أَوَّلًا عَلَى ثُبُوتِ النَّسْخِ بِمَا يَنْتَهِضُ حُجَّةً عَلَى الْيَهُودِ وَغَيْرِهِمْ ، وَهُوَ نَسْخُ بَعْضِ الْأَحْكَامِ الثَّابِتَةِ فِي زَمَنِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَدْفَعُ الْقَوْلَ بِتَأْبِيدِ شَرِيعَةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِدَلِيلِ نَقْلِيٍّ لَا يُقَالُ: الْأَحْكَامُ الْمَذْكُورَةُ كَانَتْ جَائِزَةً بِالْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ دُونَ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ فَرَفْعُهَا لَا يَكُونُ نَسْخًا وَلَوْ سُلِّمَ كَانَتْ فِي حَقِّ أُمَّةٍ مَخْصُوصَةٍ أَوْ كَانَتْ مُؤَقَّتَةً إلَى ظُهُورِ شَرِيعَةٍ ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: قَدْ ثَبَتَ الْإِطْلَاقُ وَاحْتِمَالُ التَّقْيِيدِ لَمْ يَنْشَأْ عَنْ دَلِيلٍ ، فَلَا يُعْبَأُ بِهِ ، وَالْإِبَاحَةُ الْأَصْلِيَّةُ عِنْدَنَا بِالشَّرِيعَةِ ؛ لِأَنَّ النَّاسَ لَمْ يُتْرَكُوا سُدًى فِي زَمَانٍ مِنْ الْأَزْمِنَةِ فَرَفْعُهَا