( قَوْلُهُ: وَأَمَّا مَحَلُّهُ ) أَيْ: مَحَلُّ النَّسْخِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ فَرْعِيٌّ لَمْ يَلْحَقْهُ تَأْبِيدٌ ، وَلَا تَوْقِيتٌ فَخَرَجَ الْأَحْكَامُ الْعَقْلِيَّةُ ، وَالْحِسِّيَّةُ ، وَالْإِخْبَارُ عَنْ الْأُمُورِ الْمَاضِيَةِ أَوْ الْوَاقِعَةِ فِي الْحَالِ أَوْ الِاسْتِقْبَالِ مِمَّا يُؤَدِّي نَسْخُهُ إلَى كَذِبٍ أَوْ جَهْلٍ بِخِلَافِ الْإِخْبَارِ عَنْ حِلِّ الشَّيْءِ أَوْ حُرْمَتِهِ مِثْلَ هَذَا حَلَالٌ ، وَذَاكَ حَرَامٌ .
وَالْمُرَادُ بِالتَّأْبِيدِ دَوَامُ الْحُكْمِ مَا دَامَتْ دَارُ التَّكْلِيفِ ، وَلِهَذَا كَانَ التَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ: إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَأْبِيدًا لَا تَوْقِيتًا فَإِنْ قِيلَ قَدْ تُسْتَعْمَلُ صِيَغُ التَّأْبِيدِ فِي الْمُكْثِ الطَّوِيلِ ، فَيَجُوزُ أَنْ يَلْحَقَ الْحُكْمَ تَأْبِيدٌ يُفْهَمُ مِنْهُ الدَّوَامُ ، وَيَكُونُ مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى طُولَ الزَّمَانِ ، فَيَرِدُ دَلِيلٌ يُبَيِّنُ انْتِهَاءَهُ فَيَكُونُ نَسْخًا فِي حَقِّنَا .
قُلْنَا حَقِيقَةُ التَّأْبِيدِ هُوَ الدَّوَامُ وَاسْتِمْرَارُ جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ ، وَإِرَادَةُ الْبَعْضِ مَجَازٌ لَا مَسَاغَ لَهُ بِدُونِ الْقَرِينَةِ وَبَعْدَ الدَّلَالَةِ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ كَانَ رَفْعُهُ فِي بَعْضِ الْأَزْمِنَةِ مِنْ بَابِ الْبَدَاءِ ، وَهُوَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ .
هَذَا إذَا كَانَ التَّأْبِيدُ قَيْدًا لِلْحُكْمِ كَالْوُجُوبِ مَثَلًا أَمَّا إذَا كَانَ قَيْدًا لِلْوَاجِبِ مِثْلَ صُومُوا أَبَدًا فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ نَسْخُهُ إذْ لَا يَزِيدُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى جُزْئِيَّاتِ الزَّمَانِ عَلَى دَلَالَةِ قَوْلِنَا صُمْ غَدًا عَلَى صَوْمِ غَدٍ ، وَهُوَ قَابِلٌ لِلنَّسْخِ فَإِنْ قِيلَ التَّأْبِيدُ يُفِيدُ الدَّوَامَ ، وَالنَّسْخُ يَنْفِيهِ فَيَلْزَمُ التَّنَاقُضُ قُلْنَا لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ إيجَابِ فِعْلٍ مُقَيَّدٍ بِالْأَبَدِ ، وَعَدَمِ أَبَدِيَّةِ التَّكْلِيفِ بِهِ كَمَا لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ إيجَابِ صَوْمٍ مُقَيَّدٍ بِزَمَانٍ ، وَأَنْ لَا يُوجَدَ التَّكْلِيفُ بِهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ كَمَا يُقَالُ: صُمْ غَدًا ثُمَّ يُنْسَخُ قَبْلَهُ ، وَذَلِكَ كَمَا يُكَلَّفُ بِصَوْمِ غَدٍ ثُمَّ يَمُوتُ قَبْلَ غَدٍ ، فَلَا يُوجَدُ