فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 492

النفس، وهو قد وقف مع الحيوان واصفا له، ومحللا لدوافعه الغريزية أكثر مما وقف على تحليل نفسية أي خليفة أو أمير أو أية شخصية إنسانية، فهو قد استجاب للطبيعة اّكثر من استجابته للحياة المدينة ولبني البشر، ووصف الحيوان اكثر مما وصف من أخلاق الناس، ممن حوله، فحبه للحيوان يفوق حبه للأنسان، وان ملاحظته القريبة ودقة وصفه للحيوان يجعل الاستجابة لهذا الشعر أكثر وأعمق من استجابتنا لشعر المدح الرسمي الباهت ولما فيه من مواقف النفاق والتكلف والصنعة.

وهو قد وصف الحيوان من ناحيتين:

الأولى: وصف نفسيته ورفعه بهذا الى مستوى العبرة والاعتبار والتأمل في حياته وظروفه على أن فيهما ما يماثل حياة وظروف الانسان، ويمكن استنباط الشاهد والمثل منهما، ولعل هذا هو أجود أشعار الوصف للطبيعة عنده.

الثانية: الوصف الخارجي للحيوان أو بيئته وهيئته.

والغريب أن شعر الوصف للحيوان في شعر الكميت أبين وأوضح وأظهر من وصفه للحياة النباتية، والتعليل لذلك أنه عاش أكثر حياته في بيئة صحراوية أو شبه صحراوية يفتقد فيها الشجر والنبات ولا يفتقد فيها الحيوان، وبذلك يكون قد صدر صدورا طبيعيا بدون تكلف أو تعمل، واستجاب للبيئة التي يحياها دون أن يتعمد خلق تجاربه ويموه إحساسه.

وهو في وصفه للحيوان قد كان ينفذ الى أعمق مشاعره الغريزية، واحالة شعوره الى شبه شعور انساني، وتمكن من استحداث العطف والشفقة لا شد هذه الحيوانات ضراوة في حالات ضعفها.

فهو يصف هنا ذئبا لقيه في سفره في الصحراء وكان الذئب كبير السن ضعيفا:

لقينا بها ثلبا ضريرا كأنه ... الى كل من لاقى في الناس مذنب

مضيعا إذا أثرى، كسوبا إذا عدا ... لساعته ما يستفيد ويكسب

تضور، يشكو ما به من خصاصة ... وكاد من الافصاح بالشكو يعرب

فهو قد صور هذا الحيوان في حالتي قوته وضعفه وصور سلوكه في هاتين الحالتين خير تصوير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت