وهذه صورة كريم ضاحك مستند على وسادة ولاحظ حركته وهو ينهض
نفسه ليثني الوساد:
فأعطى ثم أعطى ثم عدنا ... فأعطى ثم عدت له فعادا
مرارا ما أعود اليه الا ... تبسم ضاحكا وثنى الوسادا
وهذه صورة للشاعر يحدق فيها بشدة خلف ظعن راحل وقد اتعب نظره اذ ضمهم الآل عن متناول بصره ولك أن تتخيل وقفة هذا الناظر وحركة يده وهي تغطي عينيه في وهج الشمس:
أتأرتهم بصري والآل يرفعهم ... حتى أسمدر بطرف العين إتآري
وهذه صورة أخرى للسيوف وأثرها ولونها وصوتها:
وبيض رقاق خفاف المتون ... تسمع للبيض فيها صريرا
تشبه في الهام آثارها ... مشافر قرحى أكلن البريرا
مهندة من عتاد الملوك ... يكاد سناهن يغشي البصيرا
وهذه صورة قوس ينطلق منها سهم على قطيع من الحمر الوحشية:
لم يعب ربها ولا الناس منها ... غير انذارها عليه الحميرا
باهازيج من أغانيها الجش ... واتباعها الزفير الطحيرا
وأخيرا، هذه صورة الاثافي التقليدية ينقلها في شكل يوحي بالخلو والفراغ والاهمال:
إلا ثلاثا في المقا ... مة ما يحولهن ناقل
سفع الخدود كأنما ... نثرت عليهن المكاحل
يشبه الكميت في وصفه الفنان الرسام الذي يحمل اصباغه والواحه، وهو يصور كل ما تقع عيناه عليه وقد يكرر رسم نفس الصورة والمنظر، ولكن من زاوايا مختلفة.
يبدو لي أن التجربة والسن هما المعول الاول والاخير للحظات التأمل في
قصائده. ولا شك أنه استعان بما بين يديه من شعر الاقدمين في التراث الاسلامي الذي كان عمره حوالي ثلاثة أرباع القرن من المثل العليا والدنيا ومن الخير والشر. ولهذا لا يمكن أن نجد فلسفة خارقة للعادة أو شاذة أو جديدة جدا عما كان مألوفا حتى زمن الكميت، ولكن هضمه كل هذا ولكونه في آخر زمن تجمعت فيه تجارب سريعة لبني قومه بعد الاسلام وعصر الفتوحات وما قبلها، فعرض تجاربه بشكل جديد وجدير وعنيف.