وكثيرًا ما كتب عن ترجمة حياة ذلكم العبقري النادرة في المجلات الغربية من حين إلى حين. وسيكتب عنه أكثر مما كتب. على أننا لا نستطيع أن نصدق أن ما كتب أو يكتب عنه سيكشف لنا عن روح ذلكم العالم البحاثة. ويبدي لنا قرارة نفسه ومواهبه السامية في زمان شيخوخته. كما تكشف لنا عبارات خطابه الآني. وكأنى بنا نشهد منه ضوء مشكلة سطع من قلب رجل كان يبحث أبدًا ويجد ليهتدي على حقيقة كبيرة. واعتقاد يتنازعه. حتى ظفر أخيرًا بطلبته من الحق والخبرة فكان بهما راضيًا.
وكان اللقاء المأثور الذي جرى بين عبد البهاء والأستاذ فامبيري في بودابست في أبريل الماضي. وقد لقي الزعيم البهائي العظيم من عصبة العلماء والبحاثة المستشرقين والمصلحين الاجتماعيين حفاوة وترحيبًا. فلما عاد عبد البهاء إلى مصر كتب إلى فامبيري كتابًا وبعث إليه بهدية. فكان جوابها الخطاب الآني. ولكي يعلم من لم يسبق له علم بالأساليب الكتابية في الشرق أقول أن أسلوب الخطاب لا يكتب به في الإسلام إلا علماء الدين، ولا يستعمل إلا في مراسلة معلم عظيم المكانة أو زعيم جليل القدر.
وإلى إلغراء ما كتب فاميري إلى عبد البهاء:
أرفع هذا العرض الحقير إلى حضرة عبد البهاء عباس أفندي، وسدته الطاهرة المقدسة إلى قطب العالم الذائع الذكر في الخافقين والمحبوب من الناس جميعًا.
أي صديقي الكريم. وهادي الناس إلى سواء السبيل، لو أن حياتي تروح لك فدى، قد وصلا غلي سالمين. فعاودتني ذكرى لقائي بفضيلتك. وتبركي بحضرتك. وأني لأحن إلى لقائك. وأشتاق إلى رؤيتك.
وقد جبت كثيرًا من ممالك الإسلام وبلدانه، فما رأيت خلفًا ساميًا مثل خلقك، ولا شخصية عالية مثل شخصيتك. وإني لأشهد أن ليس من الممكنات أن يقع المرء على نظيرك. وأؤمل أن تكون مبادئك الكمالية وأعمالك قد توجت بالفوز والنصر. وأثرت على أية حال. فإني ألمح من وراء مراميك الكمالية وأفعالك. الخير الأبدي والنعيم المقيم لعالم الإنسانية.
إن خادمك أراد أن يجتبي العلم والخبرة من مصدرهما فدخل في أديان كثيرة فصار في مظهره يهوديًا ومسيحيًا وزرودشتيا. على أني رأيت أن المتمسكين بهذه الأديان لا هم لهم إلا التباغض والتنافر والتباهل والتلاعن. وإن هذه الأديان قد أصبحت آلات للظلم