الشعر، بشار بن برد الأعمى شيخ المحدثين، وأحد مخضرمي شعراء الدولتين فإن هذا الشاعر يأبى إلا أن يكون شاعرًا من أي الجهات نظرت إليه، فهو هو في الشعر ومحله فيه وتقدمه في طبقات المحدثين بإجماع الرواة ورآسته عليهم من غير اختلاف في ذلك محله وتقدمه ورآسته. وإذا نظرت إليه في أسلوب معيشته وجدته شاعرًا، وتراه في مجونه ونوادره وغرائب أطواره شاعرًا، نعم وتراه فتظنه الشعر مجسمًا، ولا جرم فإنه ينمي إلى أصل آري وقد درج في مهد العربية وغذى بلبان البداوة وأخرج في خير العصور وأحفلها بالشعر والشعراء ونحن ذاكرون نهنا نتفا من شؤون هذا الشاعر العبقري تفكهة لقراء البيان.
(أصله ومنشأه)
أسلفنا أن بشارًا ينمي إلى أصل آري وذلك أن أباه بردًا من فرس طخارستان (ولاية واسعة كبيرة من نواحي خراسان تشتمل على عدة بلدان) أصابه المهلب بن أبي صفرة (أحد أمراء الجيوش أزمان الدولة الأموية) في سبي فكان من نصيب زوجة المهلب فأقام برد في ضيعة لها بالبصرة مع عبيدها وإمائها ثم زوجته وأهدته لامرأة من بني عقيل كانت متصلة بها فولدت له امرأته وهو في ملكها بشارًا فأعتقته العقيلية فنشأ بشار عتيقًا لهم وربى في منازلهم ومنازل بني سدوس وصار يختلف إلى الإعراب الضاربين ببادية البصرة.
(خُلقه وخلقه)
كان بشارًا أكمه إذ ولد أعمى - قال الأصمعي كان بشار ضخمًا عظيم الخلق والوجه مجدورًا آدم طويلًا جاحظ العينين قد تغشاهما لحم أحمر فكان أقبح الناس عمى وأفظعه منظراًَ - وكان إذا أراد أن ينشد صفق بيديه وتنحنح وبصق من عن يمينه وشماله ثم ينشد فيأتي بالعجب. قال الأصمعي: وكان بشار من أشد الناس تبرمًا بالناس وكان يقول الحمد لله الذي ذهب ببصري فقيل له ولم يا أبا معاذ فقال لئلا أرى ما أبغض. وكذلك العبقريون يبرمون بالناس ويبرم بهم الناس كما أبان عن ذلك صاحب كتاب حديث المائدة في كلمته النبوغ والعبقرية.
(سر آخر من أسرار عبقريته)