قال الأصمعي: ولد بشار أعمى فما نظر إلى الدنيا قط وكان يشبه الأشياء بعضها ببعض في شعره فيأنى بما لا يقدر البصراء أن يأتوا بمثله فقيل له يومًا وقد أنشد قوله:
كأن مثار النقع فوق رؤسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
ما قال أحد أحسن من هذا التشبيه فمن أين لك هذا ولم تر الدنيا قط ولا شيئًا فيها؟ فقال: إن عدم النظر يقوي ذكاء القلب ويقطع عنه الشغل بما ينظر إليه من الأشياء فيتوفر حسه وتذكو قريحته ثم أنشد قوله:
عميت جنينا والذكاء من العمى ... فجئت عجيب الظن للعلم موثلا
وغاض ضياء العين للعلم رافدا ... بقلب إذا ما ضيع الناس حصلا
وشعر كنور الأرض لامعت بينه ... بقول إذا ما أحزن الشعر أسهلا
(آراء نقدة العرب فيه)
قال الجاحظ: كان بشار خطيبًا صاحب منثور ومزدوج وسجع ورسائل وهو من المطبوعين أصحاب الإبداع والاختراع المتفننين في الشعر القائلين في أكثر أجناسه وضروبه. وقال الأصمعي: قال بشار العشر وله عشر سنين فما بلغ الحلم إلا وهو مخشى معرة اللسان بالبصرة. قال: وكان بشار يقول: هجوت جريرًا فاستغرني وأعرض عني ولو أجابني لكنت أشعر أهل زماني.
وسئل الأصمعي عن بشار ومروان بن أبي حفصة أيهما أشعر فقال: بشار. فسئل عن سبب ذلك فقال لأن مروان سلك طريقًا كثر من يسلكه فلم يلحق بمن تقدمه وشكره فيه من كان في عصره. وبشار سلك طريقاًَ لم يسلك وأحسن فيه وتفرد به وهو أكثر تصرفًا وفنون شعر وأغزر وأوسع بديعًا، ومروان لم يتجاوز مذهب الأوائل وسمع الأصمعي مرة وقد عاد إلى البصرة من بغداد فسأله رجل عن مروان فقال وجدت أهل بغداد قد ختموا به الشعراء وبشار أحق أن يختموهم به من مروان. فقيل له ولم فقال: وكيف لا يكون ذلك وما كان مروان في حياة بشار يقول شعرًا حتى يصلحه له بشار ويقومه وهذا سلم الخاسر أحد كبار الشعراء وهو تلميذ بشار، من طبقة مروان يزاحمه بين أيدي الخلفاء بالشعر (والخلفاء في ذلك الوقت هم هم علمًا وأدبًا وبصرًا بمواضع النقد) ويساويه في الجوائز وسلم معترف