أشعر بالسرور والابتهاج من ضربهم وشتمهم في وجوههم، وإذن هل من يعترف بالحق يكون مجنونًا، إنني أؤكد لكم، أيها السادة، إنني كنت أعي كل شيء، كنت أحس تحت يدي بأجسام حية تتألم من لكماتي وضربي.
وفي تلك الليلة بعينها، إذ ضمتني جدران مخدعي، رجعت أضحك من نفسي وأقول يا لي من ممثل بارع، وأويت بعد ذلك إلى الفراش، وقرأت في تلك الليلة وأنا مضطجع كتابًا بل إني أستطيع أن أقول لكم يا سادة عن اسم المؤلف. . هوحي ده موباسان، إذ كنت أبدًا من المعجبين به، وبعد أن أتممت الرواية تولاني النعاس فنمت ليلتي نومًا هانئًا عميقًا كالأطفال، وأنا أسألكم الآن يا سادة، هل يقرأ المجانين كتبًا، هل يجدون في قراءتها لذة ويحسون سرورًا، وهل ينامون بعد القراءة نومًا طفوليًا عميقًا؟.
إن المجانين لا يذوقون طعم النوم، إنهم يتألمون، إن اضطرابهم كله في أذهانهم هم يريدون أبدًا أن يصرخوا ويمزقوا ويعضوا، هم يحبون أن يزحفوا على أيديهم وأرجلهم، زحفًا رفيقًا، هادئًا ثم يهبوا وقوفًا صارخين ضاحكين ها. . ها. . .
نعم، نعم، ولكنني نمت كالأطفال، وهل ينام المجانين نوم الأطفال؟.
ـ 4 ـ
وبدأ الناس بعد النوبة الثانية يخافون مني وامتنعوا عن دعوتي إلى بيوتهم وإذا لقيت عرضًا في الطريق بعض معارفي، قطبوا وجوههم وابتسموا ابتسامة مريضة سقيمة وهم يقولون يا صديقنا كيف أنت؟ وما كان أسهل على عند ذاك أن أمد إليهم يدي بالأذى، ولا ألام عليه ولا أعاتب، ولكنني تمهلت وأردت أن أنتظر حتى أفوز بتصريح طبي فعلي يكون كأذن لما سيقع من يدي وعزمت على أن أنتظر كذلك الظروف التي تجعل استشارة الأطباء في حالتي تبدو كحادث عرضي غير مقصود وإن كانت حيطتي هذه تهذيبًا في خطتي لا حاجة إليه، وكذلك حدث أن تاتيانا نفسها وزوجها هما اللذان أخذاني إلى الطبيب، وكان هذا في رأيي نقطة بارعة متقنة مؤثرة قالت تاتيانا (أتوسل إليك أن تذهب إلى الطبيب يا عزيزي أنتوني؟) لقد كانت المرة الأولى التي نادتني في حياتي بلفظة (يا عزيزي) وهكذا كان يجب أن أجن لكي أفوز منها بتلك الكلمة!.
فأجبتها في استكانة وخضوع (سمعًا يا عزيزتي تاتيانا سأذهب) وكنا ثلاثتنا في الحجرة