التي عرجت في السماء فخرجت من حدود دهرها، وماذا العقل الإنساني الذي لا يوزع جأشه، والذي يرفعه إلى السماء ارتعاشه، وهو مع ذلك يندفع على أهله بالويل اندفاع السيل، ويطلع نصفه كالبور على الأرض ليطلع نصفه الآخر كالليل؟
وهي الحرب العامة كأنها ثورة الدهر وقد ضجر من هذا العالم وطغيانه، ومل من سماجة إنسانه، واشتاق إلى عصر حيوانه، فزفر زفرةً أيقظت الموت وكان نائمًا، وتركت هذا الإنسان من الفزع لجنبه أو قاعدًا أو قائمًا، واستنزلت من القضاء ما كان في علم الله غيبًا، واشتعل من هولها رأس الأرض ببياض السيوف شيبًا، وجعلت من البيوت قبورًا لأهلها، وساوت في معايش الناس بين صعبها وسهلها، وأظهرت لعقول العلماء أن أكثر علمها من فنون جهلها. . . فالأرض في بلاء منتشر لا يعرف له حجم، والشعوب في ظلام من اليأس ملتهب النجم، والدول في عصر كليل الشياطين كله رجم. .!
تلك هي الحروب القائمة اليوم وليكن كما ترى خيال النار في الماء، أما الحقيقة فكل حرف منها جيش وكل كلمة أمة، ووراء ذلك معنى رائع هو استجماع الحياة الأرضية لمقابلة الموت. ولو أن لهذا الكون مرضًا يعتريه كما نعتري الناس أمراضهم لقلت إن شق الأرض قد ضرب بالفالج فأصبح شقها الآخر لا يكاد يجر ظله حول الشمس لأن الحركة مقسومة بينه وبين ذلك النصف الميت، فقد اشتبكت العلائق بين دول الأرض جميعًا إذ لا تعرف دولة بين الناس ترعى شعبًا من البهائم، ولما بدأ الإنسان يعرف نفسه في عصر العلم والمدنية عرف أخاه لأن أكثر حقيقته الإنسانية فيه ومن ثم اتصل به اتصال اليد بأختها في المعاونة على ما يسرت له كلتاهما، وجمع العلم بين هذه الأمم لأنه لا ينتسب لواحدة منها وليس له في الأرض خال ولا عم ولا يعرف شيء يقول للعلم يا بني ويقول له العلم يا أبت إلا التاريخ الإنساني.
ولهذا سفر بين أمم الأرض كل من يخرج من رأس الإنسان وما ينتج من يده واتصل ذلك واستفاض حتى كأنما دارت الأرض دورة جديدة من داخلها فما إن يقع الإضطراب في ناحية منها إلا دخلها من الأثر في سائر نواحيها من هزة ترجف إلى زلزلة تهدم إلى الخسف الذي يجعل عاليها سافلها.
وإني باسط لك شيئًا من الرأي في كلمات قليلة ولكنها كالمعركة الأخيرة التي يحق بها