النصر فتكون هي تاريخ الحياة ولا يكون ما سبقها إلا تاريخًا للموت.
ألا فلتعلم أنه لو كان لحوادث الدهر منذ نشأ الدهر تاريخ صحيح يصف لنا ما كان سببًا في كل حادثة وما صارت كل حادثة سببًا فيه لأثبت يقينًا أن ليس في الأرض شيء من خير أو شر غير ما يلزم لبناء هذا التاريخ الأرضي على الوجه الذي يتفق مع بناء الإنسان، والتاريخ يطرد حينًا ثم يعطف ههنا وههنا في مجراه من الغيب فلا يتحول إلا انشقت له ناحية من العالم. فإن خربت دولة أو سقطت أمة فما هي بصاحبة الدهر كله وقد كان لها قسمها منه ثم عاد الدهر يطلب قسمه منها. ولن يجدد البناء القديم حتى يكون الهدم أول العمل في تجديده.
فالحرب شر لا بد منه لأنها من عوامل التحليل والتركيب في تاريخ الإنسانية وهي بذلك سبب من أسباب استمراره، وكل شر لا بد منه فهو خير لا غنى عنه. وهل يبتغي الإنسان أن تضرب العصور والدول كما تضرب الدنابير والدراهم من معدن معروف على وجه معروف ولغاية معروفة! وإذا لم يكن لنا مستقبل التاريخ وكنا في عمر محدود فما نحن والرأي في بناء هذا المستقبل، وكيف نقدم لله آلات البناء ثم نحكم الشرط أن لا يكون في هذه الآلات ما يحتفر أو يكسر أو يرض!
أنما يجعل للحرب ذلك الوصف الذي يطير لها في كل أرض صوتًا بالذم والسوء أنها لا تأتي إلا بغتةً ولا تطبق إلا في غفلات العيش وأنها تثور في بياض الأمن حمراء من لون الموت وتطلع في خطب النعمة سوداء من لون القحط وتنبثق بالشر مأمونًا وتصب المحنة على من لا يطيقها ثم لا تصيب الذين ظلموا خاصة بل تلف من جانبي الحياة لفًا، وهي في كل ذلك الليلة المكشوفة التي تشتهرها الأحاديث وتضرب فيها الألسنة وتسيل عليها الأوهام بما في طباع الناس من طبقات الأخلاق ضعفًا وشدة وخوفًا وطمعًا وبخلًا وكرمًا وحذرًا واندفاعًا بحيث تصبح وكأنما ترتمي على رأس كل إنسان بالموت أو بالخوف من الموت أو بالخبر عن الموت أو بما يشبه الموت أو بما يكون الموت خيرًا منه. وإلا فكم يترضرض الناس كل يوم وكم يجدون من صنوف الدمار، في الأعمار، ومن ضروب الأرزاء في الأرزاق، ما لو جمع بعضه إلى بعض في نسق واحد لطم على هذه الحروب كلها ولا ظهر لك أن في السلم ما هو شر من الحرب وإن لم يصرخ به صوت الموت.