أعلم الغاية. ولم أتصور في أضعاف القدر خفي النية. إن غضب الآلهة ولا ريب كان يطلب فريسة، وحنقها كان يسأل فدية، إذا عاقبتني وعدتني مجرمًا إن حاولت أن أكون سعيدًا.
إلاهة الشعر
إن صورة الذكرى الحلوة قد عادت تتفتح لذهنك، وتتجلى لخاطرك. فعلام تخشى أن تعود إلى الأثر التي تركته في نفسك، والجزء الجميل الذي أحدثته في فؤادك. أإنكارًا للأيام الجميلة، وكفر بالعهود الناضرة، وأنت تريد أن تقص القصة صادقة، وتشرح همامة نفسك إخلاصًا وأمانة، أيها الإنسان الفتي الصغير إذ كان حظك قاسيًا، ونصيبك محزنًا آسيًا. إذن فابتسم لحبك الأول، وليومض ثغرك للهوى القديم.
الشاعر
كلا. إنني أتباسم لآلامي، وأتضاحك لعذابي يا إلاهة الشعر. إني أريد أن أقص عليك خيبتي وأحلامي وهذياني، بلا تأثر ولا حزن، غير ذكر الزمن، ولا شارح المكان، ولا باسط الفرصة والعهد. . . في ليلة من ليالي الخريف، في ليلة قرة متجهمة، أشبه بليلتنا هذه وإليها أقرب، وأنة الريح، وحشرجة الهواء في رأسي الملتهب. وذهني المتعب. تشق صميم همي، وتنفذ إلى جوف حزني، وكنت لدى الناقدة على مرتقب عشيقتي، أتسمع في هذه الظلمة المنتشرة السائدة خفق قدمها وحفيف ثوبها وأنا أحس في نفسي حزنًا غريبًا. ومصابًا أليمًا، إذ ثارت ريبة الخيانة في خاطري، ووسوسة الغدر في ضميري، وكان الشارع الذي أسكنه قفرًا مظلمًا. ورأيت أشباحًا تروح، وأبصرت أشباحًا تمر، وريح الصبا تنفذ من بين شقتي الباب، وكأن في عزيفها أنة إنسانية، وفي زفيفها آهة نفسانية، ولا أدري لماذا أحسست روحي تجري في سبيل الشك، وتندفع إلى توقع الشر، وأنا أجاهد شجاعتي، ولكن لم ألبث أن شعرت بالرعدة تسري في جميع بدني، إذ الساعة آذنت، وإذ دقات الزمن توالت، وهي بعد لم تعد، وطلعتها لم تقتبل، وجعلت أجيل البصر وحيد، مطرق الرأس، منكس الجبين إلى فسحة الطريق، ومرمى السبيل. وأنا لم أنبئك بعد أي هيام مجنون أرسلت هذه المرأة في نفسي، وأي نار طائشة هوجاء أضرمت في وجداني. ولم أكن أحب غيرها في نساء الدنيا، وكنت أتصور اليوم الذي أعيشه بدونها قدرًا أروع من الموت،