على أنني لا أحب أن أروح طائشًا أمامكم وأرمى بالغلو في حب ابنتي إلى حد العبادة فلست عابد أطفال، ولست أقول أن ابنتي أجمل وأذكى من أية طفلة أخرى، ولست أغالي وأذهب بعيدًا في الوصف، بل أقول لأمها صديقتي العزيزة ها نحن قد ظفرنا بطفلة جميلة ذكية.
قالت زوجتي: حمدًا لله أنه خلقها كذلك وراحت تعد الفراش لرقاد الطفلة وجاءت تأخذها إلى النوم ولكن سوزان أصرت بعناد شديد على أن تظل يقظى، ولا تأوى إلى المهاد المعد لها، لأنها جعلت تغيب يديها الصغيرتين في جوف دولاب في الحجرة مفعم بالأمتعة.
قلت لزوجتي انظري ما أجملها في هذا الدولاب أن سوزان ليست بديعة فيما تعرف فقط بل إنها لأبدع فيما لا تعرف، إن جهلها بالأشياء مع اهتمامها بها، لا يزال يدل على أنها أوتيت روحًا من الشعر!
فلم أكد أفه بهذه الكلمات حتى التفتت إلى زوجتي ضاحكة ساخرة مني وأنشأت تقول، لك الله! أتقول أن سوزان شاعرة! أتتكلم عن شاعرية طفلتك! ولكن ابنتك لا تتلهى إلا في المطبخ بل لقد رأيتها منذ أيام مشرقة الوجه متهللة الوجه وهي في وسط الزبالة وكناسة المطبخ، فهل تسمي هذا منها شعرًا؟
قلت: بلا ريب يا زوجتي، بلا ريب أن الطبيعة بأسرها تلوح لديها طهارة تامة كاملة حتى لا نرى في العالم شيئًا قذرًا مطلقًا، حتى ولا في مقطف الزبالة ولهذا ترينها غائبة مضطجعة بالأمس وهي فرحة مسرورة في وسط أوراق القرنبيط وقشور البصل وشراشير الجزر، تلك مسرة عظيمة لها لأنها تغير الطبيعة عندها بقوة ملائكية وكل ما تلمسه بيدها يشعرها بفكرة الجلال والجمال،. . .
وبينا نحن في هذا الحديث إذ تركت سوزان الدولاب ودنت إلى النافذة فتبعتها أمها وأخذتها بين ذراعيها، وكان الليل ساجيًا دافئًا والسكون سائدًا، فصمتنا نحن الثلاثة.
ففي هذه الهدأة الساحرة رفعت سوزان ذراعيها عالية بقدر ما استطاعت، وبطرف أصبعها أشارت إلى كوكب هناك في بهرة السماء، وهذا الإصبع الدقيق جعل يتلوى بين الفترات كأنما ينادي أحدًا.
وكذلك راحت سوزان تكلم الكوكب. . .!