تحت حاجبين مقوسين كالنون وفي فمي طراوة شنب وعذوبة متبسم وجمال ميسم. وذوائب شعري الأصفر الجميل متراخية على جبيني أنعم ملمسًا من العاج وبالجملة لم أر شيئًا في حياتي ولم أسمع بجمال يداني هذه الروعة التي وهبتها في ذلك اليوم.
فوقفت مدة أنظر إلى وجهي وأنا في ذهول الإعجاب، وقد طفا على قلبي ظل من السعادة لم أشعر به من قبل. وكان ذلك اليوم يوم أحد. فاشتملت بأثوابي وتجملت بأحسنها وأزهاها وخرجت أريد الكنيسة وكانت الصلاة توشك أن تبتدئ. فلما خطرت بين الصفوف ألتمس مقعدي شهدت العيون محدقة بي والأنظار مستقرة علي من كل صوب فاعتراني من الزهو والخيلاء ما جعلني أمشي مشية المتكبر المعجب بنفسه. وزادت المشية في جلالي وروعة منظري. وكان من بين الذين لم يتركوا النظر إلي اللادي بتريس دوسي وكانت هذه السيدة أرملة اللور دوسي صاحب القرية التي أنا فيها ورب الضياع والمزارع والقصور ومورثها بعد مماته أرملته هذه وتارك هذه النعمة لها. وكانت المرأة عاقرًا ولم يكن لها منه بنون أو بنات. وكانت لها الحرية التامة في التزوج بمن تشاء ومتى تختار. وكانت على الرغم من أنها نصف ناهزت الحدود الأولى للشباب. بارعة سليمة وكانت فوق ذلك مشهورة بالسحر. فتمنيت لو أنها مالت إلي وأنا في هذا الجمال الفتان، وتزوجت بي حتى ترفعني من وهدة الفقر إلى أعلى مدارج النعمة والأبهة والترف.
تلك كانت خيالات نفسي ومطامح روحي. وأنا أمشي الخطى عائدًا على داري.
وفي المساء عدت إلى الكنيسة وهناك عادت الأرملة تخصني بنظراتها وابتساماتها ورنوات الإعجاب من ناظريها وأخيرًا زالت شكوكي وتبدلت مخاوفي إذ دنت إلى بعد انتهاء الصلاة، وهمست إلي تقول: تعال إلى منزلي غدًا في الساعة الرابعة. فلم أجب إلا بانحناءة من رأسي. وأسرعت قافلًا أدراجي إلى منزلي.
فلما كان الغد وحل الموعد ارتديت بأفخر ما لدي من ثياب ووضعت زهرة جميلة في معطفي وأسرعت أريد دارها في الموعد المضروب.
فلما دخلت بستان ذلك المغنى التقيت عنده بحاجب استوقفني والتمست إلي أن أتبعه فأطعت، ومشينا بين صفوف الأزاهر حتى دانينا خميلة جميلة من الأعراش والأغصان جلست فيها السيدة مفكرة سارحة، وقد ارتدت برداء من أفخر الحرير الأبيض مزركش