وأنف مقوس كأنف الصقر في وسط جبهته. وكان يلبس ريدنجوتًا أخضر ذا أزرة نحاسية ملساء وصدرية مخططة بياقة واقفة وكمين مهدبين فقلت في نفسي: أما لو آراني شخص معلمي القديم المسيو ديسير لأشهدن له بالبراعة في السحر!.
وفي أثناء الغذاء نفذت وصية العجوز فشربت من نبيذ لافيت من الطراز الأعلى - كذلك نعتها إرداليون بالرغم من أن مذاقها كطعم الفل المحترق وأنها أرسبت راسبًا كثيفًا في قرارة كل كأس.
ولما كانت الساعة السابعة بالضبط كنت واقفًا حيال منزل العجوز وكان مغلق النوافذ موصدة مصاريعها ولكن بابه كان مفتوحًا فدخلت وارتقيت السلم المضطرب متمايلًا حتى بلغت الدور الأعلى ففتحت بابًا على اليسار فوجدتني كما قالت العجوز في غرفة خالية واسعة. وكان على صفة النافذة شمعة من الشحم تبعث في المكان شعاعها الضعيف المتضائل، وإلى الجدار المقابل للباب كرسي من القش فأصلحت المشعة وجلست على الكرسي وبدأت أنتظر.
مضت العشر الدقائق الأولى بلا ملل - إنه لم يكن بالغرفة أدنى ما يلفت النظر ولكني جعلت برغم ذلك أنصت لكل صوت حادث وأحملق في الباب المغلق وكان قلبي يخفق وبعد العشر الدقائق الأولى مرت عشر أخرى ثم ثلاثة أرباع الساعة لم آنس حركة فيما حولي فسعلت مرارًا لأعلن عن وجودي ثم دب الملل والضجر وهممت أن أترك المكان فمضيت نحو الشمعة لآخذها تضيء لي ظلمة السلم ثم تناولتها وبعد إصلاحها التفت أستقبل الباب للذهاب فما راعني إلا شخص رجل مسند ظهره إلى الباب وكان قد دخل بمنتهى السرعة والخفة فلم أحس بحركته.
كان هذا الرجل في برد أزرق وكان ربعة بادنًا وكان واقفًا يداه مضمومتان وراءه ورأسه مطرق وهو يرمقني بحدة، وكان ضوء الشمعة المتضائل لا يمكنني من استجلاء سحنته تمامًا، فكل ما بدا لي من شخصه هو خصل مجعدة كثيفة من الشعر مرسلة فوق جبهته وشفتان غليظتان مقلصتان قليلًا وعينان مبيضتان فهممت أن أخاطبه ولكني ذكرت وصية مستريدا وعضضت على شفتي واستمر الرجل ينظر إلي وأعجب شيء أني أحسست في قلبي إذ ذاك شيئًا كالخوف وشرعت في الحال أفكر في معلمي القديم كأني في ذلك مؤتمر