بأمر آمر وبقي هو لدى الباب وجعل يتنفس تنفسًا عسيرًا ثقيلًا كهيئة المبهور من صعود جبل أو رفع ثقل بينما عيناه أخذتا تتسعان وتتمددان كأنهما تدنوان مني فشعرت بكربة وضيق تحت تأثير نظراتهما الحادة الثقيلة اللجوجة المهددة وتارة كنت أرى هاتين العيني تتوهج فيهما نار خبيثة باطنة أشبه شيء بما يتوقد في عيني كلب الصيد عندما يرمق أرنبًا - وكذلك ككلب الصيد أيضًا جعل هذا المخلوق يقفو بنظراته نظراتي عندما أحاول تحويلهما عن شخصه.
وعلى هذه الحال مر علينا لا أدري كم من الزمن - لعلها دقيقة أو لعلها ربع ساعة، وأنه لا يزال يحملق إلي وأنا لا أزال أشعر بكربة وضيق ووحشة ولا يزال دهني يذكرني بذلك المعلم الفرنسي المتوفي، وقد حاولت مرتين أن أقول لنفسي ما هذه السخافات والترهات، وحاولت أن أبتسم وأهز كتفي استخفافًا بالأمر واستهزاءً - وحاولت كل ذلك ولكن عبثًا حاولت! لقد تسلطت على نفسي قوة خفية فسدت ينابيعها وجمدت غدرانها - قوة لا أرى ما هي ولا أعرف ماذا أسميها. فإني لكذلك إذ رأيت الرجل قد ترك الباب بغتة وصار بموضع أقرب مما كان فيه بمقدار خطوتين ثم وثب وثبة خفيفة بقدميه معًا فصار أقرب، ثم فعل مرة ثم أخرى، والعينان المهددتان أثناء ذلك مثبتتان في وجهي معقودتان به واليدان لا تزالان مضمومتان إلى خلف والصدر العريض يتنفس ويتنهد بحالة المتألم، فرأيت في هذه الوثبات من السخافة ما هو جدير بالضحك ولكني بقيت برغم ذلك خائفًا وجلًا، وأعجب من ذلك أني أحسست ثقلًا كثقل النعاس قد استولى عليّ بغتة، فاشتبكت أهدابي بعضها ببعض. ثم أن الشبح الأشعث المبيض العينين الأزرق الثوب بدأ أمامي مزدوجًا قم تلاشى البتة فهززت نفسي فإذا هو قد عاد ماثلًا بيني وبني الباب ولكن أقرب إلي من ذي قبل - ثم تلاشى ثانيًا - كأنما قد سقط عليه من الضباب ثم ظهر ثانيًا ثم تلاشى ثم ظهر وفي كل مرة يتقدم ويقترب وإذ ذاك أحسست أنفاسه العسرة المبهورة تهب علي ثم سقط الضباب ثانيًا ومن جوف هذا الضباب أبصرت رأس معلمي القديم الشيخ ديسير يتكون ويأخذ شكلًا واضحًا جليًا - بادئًا بالشعر الأبيض المنفوش! أجل وربك لا مجال للشك فهاك حاجبيه الكثيفين وهاك ثؤلولته وهاك أنفسه المقوس! وهاك ريدنجوته الأخضر النحاسي الأزرار وصدريته المخططة عند ذلك صرخت ونهضت، فتلاشى الشبح من أمايم ورأيت مكانه