وهناك حالة وحيدة هي أسوأ ما وصلت إليه مراسيم التعيين وقعت سنة 829هـ. عندما أصدر السلطان المملوكي مرسومًا بتعيين خشرم بن دوغان أميرًا للمدينة مقابل التزامه بدفع مبلغ كبير للسلطان .. وكانت هذه أول حالة وآخر حالة تباع فيها الإمارة بالتزام مالي. وقد أرهق هذا الالتزام المدينة لأن خشرم بن دوغان حاول جبايته من أهل المدينة وعجز عن ذلك وانتهت إمارته بالقبض عليه قبل أن يتم سنة في الإمارة. ولو أن هذه الحالة تكررت لوقعت المدينة فيما وقعت فيه بعض مناطق مصر في ذلك الوقت من الظلم والاضطراب ..
وباستثناء هذه الحالات كان السلاطين يراقبون أعمال أمراء مكة والمدينة مراقبة عامة ويستمعون إلى الشكاوى المرفوعة ضدهم ويستجيبون لها في معظم الحالات فيعزلون الأمير، وقد يأمرون بالقبض عليه وسجنه إذا تبين لهم أنه يسيء استخدام سلطته، وقد حدث ذلك أول مرة سنة 716هـ عندما كثرت الشكاوي على الأمير منصور بن جماز فأمر السلطان محمد بن قلاوون بالقبض عليه وعلى ابنه كبيش الذي كان يساعده في الإمارة، وقبض عليهما وأخذا إلى القاهرة مقيدين، ولكن الأمير منصورًا نجح في إقناع السلطان ببراءته، ونسب القلاقل إلى الشريف ماجد بن مقبل الذي كان يغير على المدينة ويعمل على انتزاع الإمارة منه، فأطلق السلطان سراحه وأعاده إلى الإمارة مكرمًا (1) .
وتكررت حالات القبض على الأمير للشكاوي ضده سنة 729هـ حيث قبض على ودي بن جماز وسجن بقلعة الجبل في مصر ثم أطلق سراحه (2) ، وطفيل بن منصور سنة 750هـ سجن حتى مات في سجنه (3) ، وهبة بن جماز سنة 782هـ ثم أطلق سراحه ولم يولّ الإمارة بعد ذلك (4) ،وعجلان بن نعير سنة 812هـ (5) .
(1) انظر السلوك 1/ 2/175 وتاريخ ابن خلدون 4/ 141.
(2) انظر السلوك قسم 2/ 2ص333.
(3) انظر ص 115 من هذا البحث.
(4) انظر ص 122 من هذا البحث.
(5) انظر ص 137 من هذا البحث.