فهرس الكتاب

الصفحة 257 من 375

وكانوا عندما يسمعون بقدوم أحد العلماء أو الصالحين يسارعون للسلام عليه والاستئناس به وإذا توفي أحدهم احتشدوا لتشييعه، فعندما توفي أبو العمر الطنجي خرجت له جنازة عظيمة وصفها ابن فرحون بقوله (لم أر جنازة كثر تابعها رجالًا ونساء وكبارًا وصغارًا، مثل جنازته رحمه الله، رأيت النعش محمولًا على رؤوس الأصابع، ورأيت الكفن قد أسود بين أيدي الناس) (1) .

وكان المجاورون بشكل عام لا يهتمون بالأحداث السياسية والصراع على الإمارة والحروب بين أمراء المدينة ومكة، فهدفهم الكبير هو التمتع بإقامة آمنة هادئة في المدينة والتفرغ للعبادة. وليست لهم تطلعات سياسية. غير أنهم كانوا يتأثرون بشكل غير مباشر بالأوضاع السياسية في المدينة، فحين تكون هادئة مستقرة تنشط حركة المجاورة ويتمتع المجاورون بما تغربوا لأجله، وحين تكون مضطربة تصيبهم بعض شظاياها وقد يتأذون منها، ومن النادر أن يسهموا في صنعها. وقد نعم المجاورون في المدينة في أغلب الأوقات بمجاورتهم، حتى في فترات الصراع بين المتنافسين على الإمارة كانوا بعيدين عنه لا يشعرون به إلا عندما يخطب على المنبر لأمير دون أمير، وفي الحالات المعدودة التي كانت تهاجم فيها المدينة كانوا يشعرون بما يشعر به بقية أهلها من الخوف والاضطراب، ولكنهم كانوا يدركون أنهم ليسوا المقصودين بالهجوم والصراع... ويكفي أن يلوذوا ببيوتهم أو بالمسجد النبوي ليسلموا من آثاره، مالم تتعد أيدي المهاجمين إلى نهب البيوت، فإن حصل ذلك أصاب النهب قلة قليلة منهم معروفة باليسار، أما بقية المجاورين فكان المعروف عنهم أنهم أقرب إلى الفقر أو الزهد والتقشف. ولا مطمع فيهم للناهبين، ولا شك أن ظاهرة المجاورة نفسها دليل على ذلك، فلو كان في المجاورة خطورة متكررة لما آثر الجوار أحد. فعلى مر السنين ورغم الاضطرابات السياسية ظلت ظاهرة المجاورة قائمة، بل تنمو وتزداد.

(1) نصيحة المشاور 177

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت